هل ستتغير السياسة الأميركية؟

تم نشره في السبت 16 كانون الأول / ديسمبر 2006. 03:00 صباحاً

 

هل يصدق بأن تتبنى واشنطن مؤتمراً دولياً لمعالجة الوضع في الشرق الاوسط من دون دعوة او مشاركة اسرائيل؟ لا يمكن ان يخطر ببال احد ان شيئاً من هذا يطأ ارض الواقع. فاسرائيل هي التي تتحكم بسياسة اميركا الشرق اوسطية، وهي التي تعارض بشدة اي مؤتمر دولي، او اي شيء قريب من هذا، حتى لو كانت الطرف المهيمن، فكيف يمكن لأي خيال ان يسرح الى مدى مؤتمر دولي ومن دون اسرائيل.

الحقيقة أنّ الأمور بدأت تتغير، او هكذا يبدو. ويبدو ايضاً أنّ تداعيات فشل السياسة الأميركية الذريع في العراق، وتفاقم هذه الورطة إلى الحد الذي لم يترك مخارج سالكة للنجاة، قد فتحت العيون على ما لم تكن رؤيته مباحة في الامس القريب. ولكن وقد وصل السكين الى العظم، وأخذت هيبة ومكانة اميركا تتهاوى وتتداعى في العالم، فلم يعد من الممكن أن تظل مصالح هذه الدولة العظمى رهن مخططات المغامرين من داخل اميركا وخارجها، التي وضعت مصلحة اميركا في المقام الثاني بعد اسرائيل.

فقد ورد في نشرة "إنسايت" (5-11 كانون الاول 2006) بأن البيت الابيض يتداول اقتراحاً يدعو بالتحديد لمؤتمر دولي للسلام في الشرق الاوسط من دون حضور اسرائيل. ومصدر هذا الاقتراح هو رجل الدولة العريق المخضرم جيمس بيكر، الذي يحظى بعلاقة عائلية قريبة من الرئيس بوش الاب، وبدعم هنري كيسنجر، وباحترام راكمته تجربة غنية وصدقية عالية، اهلته لان يكون احد مؤلفي تقرير لجنة دراسة العراق الذي احدث هزة شديدة في الاوساط السياسية الاميركية، لما تضمنه من تشخيص جريء لفشل سياسة اميركا في العراق ولفظاعة الوضع واستمراره في التدهور هناك، ولأنه، اي التقرير، ربط بوضوح بين الوضع في العراق وقضية فلسطين، في اطارها الاوسع، وطالب بحل هذه القضية كجزء من الخروج من ورطة العراق.

بحسب "إنسايت" اقترح جيمس بيكر مؤتمراً دولياً تنظمه اميركا تحت مسمى "مدريد 2"، ويشمل المشاركون فيه خصوم اميركا مثل ايران وسورية، وتستبعد اسرائيل ويوفر المؤتمر منصة لبحث مستقبل العراق، لكنه يركز بدرجة رئيسية على قضية الشرق الاوسط، وعلى المطالب العربية بانسحاب اسرائيل من الاراضي العربية التي احتلها عام 1967، وكما يرى بيكر فإن تلك ستكون الفرصة للولايات المتحدة بترتيب صفقة من دون تواجد الضغط الاسرائيلي. اما اساس الصفقة فهو ضمان التأييد العربي للعراق مقابل تخلي اسرائيل عن الاراضي التي تحتلها. ويبدو ان مقترح بيكر يحظى بتأييد وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس، وأحد كبار مساعديها نيكولاس بيرنز، بالاضافة لمدير الاستخبارات الوطنية جون نيغروبونتي، باستثناء الخلاف على مسألة المشاركة السورية والايرانية.

يقول تقرير "إنسايت" بأن فكرة استبعاد اسرائيل حظيت بدعم المملكة العربية السعودية خلال الزيارة التي قام بها للمملكة نائب الرئيس الاميركي تشيني في 25 تشرين الثاني الغائب، الذي قضى معظم وقته يستمع من السعوديين بأن اسرائيل -وليست ايران- هي الخطر، واسرائيل، هي مصدر عدم الاستقرار في الشرق الاوسط. وظل التركيز السعودي على هذه النقطة مستمراً لدرجة لم يتمكن خلالها تشيني من طرح الموضوع الذي قدم للسعودية من اجله وهو اقناع مضيفيه بمساعدة الحكومة العراقية واقناع السنة في العراق بوقف هجماتهم. بدلاً من ذلك ظل يسمع من السعوديين اصراراً على حث اميركا على مبادرة لمنع الاسرائيليين من مهاجمة غزة، ووافق تشيني على ذلك بحسب التقرير.

اذا كان هذا الموقف الجريء من جيمس بيكر يضعه في المقدمة بالنسبة لحملة تفتيح العيون على خطر اللوبي الاسرائيلي في توريط اميركا وفي تدمير علاقاتها مع العالمين العربي والاسلامي نتيجة انقيادها الاعمى وراء اسرائيل وعدوانها وانتهاكاتها، فالسؤال هل يصمد جيمس بيكر امام القوى المتنفذة والقادرة في اميركا على احباط اي مسعى من هذا النوع؟

هكذا يتساءل "بول كريغ روبرتس"، في مقال عن هذا الموضوع ظهر على موقع "انتي وور دوت كوم 14/12/2006)، ويتساءل عن قدرة بيكر على مواجهة اللجنة الاميركية- الاسرائيلية للعمل العام "ايباك" التي تدير اللوبي الاسرائيلي، والتي تمتلك نفوذاً سياسياً وعملياً هائلاً في الولايات المتحدة.

يقول روبرتس: ان تقرير لجنة "دراسة العراق" هو محاولة من قبل رجل دولة كبير من صلب المؤسسة الرسمية الاميركية لاخراج السياسة الاميركية الخارجية من بين يدي الرئيس بوش غير الكفؤة، ومن بين ايدي اللوبي الاسرائيلي الساعية لخدمة مصالحها. ويقول: ان هذا الجهد قد ينجح وقد لا ينجح.

يسلط روبرتس الضوء على اعتراف تقرير لجنة "دراسة العراق" بأن الولايات المتحدة هي ليست الدولة العظمى التي تتحكم بمصير العالم، بقدر ما هي دولة عاجزة عن التحكم بمصير نفسها. ويصف وضع اميركا، وليس وضع العراق، بأنه "خطير ومتدهور"، وانه يمكن ان يؤدي بسهولة الى كارثة اكبر بكثير من مجرد اهتزاز هيبة اميركا جراء خسارة الحرب الى انهيار كامل في كل الشرق الاوسط. فالمشكلة الحقيقية، يقول روبرتس، هي في قوة اللوبي الاسرائيلي وسيطرته على سياسة اميركا في الشرق الاوسط، بما في ذلك تصلب اسرائيل تجاه الفلسطينيين الذين هي سرقت ارضهم، وطالما ظلت سيطرة اسرائيل على سياسة اميركا طالما ظل برميل البارود مشتعلاً وينتظر الانفجار.

هنالك ادلة متزايدة على تراكم القناعات على مستويات كبرى في الولايات المتحدة بأن لهيمنة اللوبي الاسرائيلي علاقة وثيقة بإخفاقات السياسة الاميركية. ويبدو ان الاستثناء الرئيسي هو الرئيس بوش نفسه الذي كانت الانتخابات الاخيرة قد شكلت صدمة له، وانه لا يزال بانتظار حدوث معجزة في العراق.

جستين رايموندو Justin Raimando في مقال له(على موقع "انتي وور" 13/12/2006) يربط بين تصريحات رئيس الوزراء الاسرائيلي اولمرت في المانيا، التي اعترف بموجبها بامتلاك اسرائيل للسلاح النووي، وبين القلق الاسرائيلي المتزايد من امكانية فقدان اسرائيل لعلاقتها الخاصة مع الولايات المتحدة، تلك العلاقة التي اخذت تتزعزع، وبالتالي فهو يعتقد ان اعتراف اولمرت الضمني بامتلاك اسرائيل للسلاح النووي لم يكن مجرد زلة لسان، بل اعلاناً عن قدرة اسرائيل التي ستواجه بها اي خطر عندما يفقد اللوبي ماله من قوة وسيطرة.

ويعدد رايماندو اربع ضربات تلقاها اللوبي الاسرائيلي مؤخراً وهي:

1- فضيحة التجسس التي ادين بها اللوبي؛ عندما تم القاء القبض على اثنين من كبار المسؤولين في "ايباك"، ستيف روزن وكيث وايزمان، وأدينا بالتجسس لحساب اسرائيل وبتزويد مسؤولين في السفارة الاسرائيلية بسيل من المعلومات بالغة الخطورة.

2- تقرير هارفارد؛ الذي اعده جون ميرشايمر من جامعة شيكاغو وستيفن وولت من هارفارد، عن اللوبي الاسرائيلي وسيطرته على السياسة الخارجية الاميركية، ذلك التقرير الذي ما تزال اصداؤه تتفاعل.

3- تقرير بيكر/ هاملتون؛ الذي يربط بين المسألة الفلسطينية والوضع المتدهور في العراق.

4- كتاب الرئيس السابق جيمي؛ كارتر والذي يطالب بمناقشة سياسة اسرائيل ومسؤوليتها عن تدهور العلاقات الاميركية مع العالم، بعد ان وصف سياسة اسرائيل بسياسة جنوب افريقيا التميزية.

ازاء كل هذه التطورات لا يمكن ان يظل الحظر على مناقشة خطف السياسة الاميركية

الخارجية من قبل اللوبي الاسرائيلي قائماً. فهل نحن على ابواب التغيير؟

سفير الأردن سابقا في الأمم المتحدة

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »Interesting Analysis (Dr. Abdul Salam Al-M)

    السبت 16 كانون الأول / ديسمبر 2006.
    I agree that the United States must do something towards the deteriorated situation in the Middle East; however, this change of foreign policy that is looming in the offing must be met with united and changes in the mindsets of Arab governments and the Arab-American community in the U.S. The U.S. foreign policy is determined by national interests, not friendships. We need to be united, adopt and put into practice genuine economic and political reforms, and be courageous to negotiate peace deals with others. Israel is a democratic country, no question about it! I am not defending any party here, but here is a key question: how can Israel negotiate peace deals with governments that have NOT been elected by the people themselves? We do not need “Cold Peace.” Peace accords must be negotiated with those that represent the streets in Israel and its Arab neighbors, and that is why I applaud Madrid 2!
  • »تظافر الجهود (هاني عبدالحميد)

    السبت 16 كانون الأول / ديسمبر 2006.
    اتابع باهتمام شديد كتابات الاستاذ حسن ابو نعمة الذي اجد من الصعب الاختلاف معه نظرا لموضوعيته وحسن توثيقه. لكنني اقول ان تقرير بيكر هاملتون لم يكن كرم اخلاق امريكي بل تشخيص حالة لعله لم يبتعد كثيرا عن الحقيقة نتيجة حالة النزاع الاخير التي وضعتها ضربات المقاومة العراقيةالشديدة للاحتلال. وليست حال العنجهية والغطرسة الاسرائيلية، بعد كل ما جرى في لبنان على مسمع ومراى من العالم كله، باحسن حالا من قرينتها الاميركية فبم تستطيع ان تدعي اسرائيل في حالة اشتراكها في اي مؤتمر دولي مقترح: أنها لم تستطع مواجهة 10 الاف مقاتل في جنوب لبنان وكيف كان يمكن ان يكون فعل كل المقاومين لو تظافرت كافةالجهود؟ ربما نرى ذلك في المرات القادمة فحفظا لماء وجه زمرة اولمرت وجوقة الفاشلين من شاكلته ربما يستحسن ان لا يحضروا اي مؤتمرات سلام قادمة لان فعلهم فعل حرب وعدوان انهم حاقدون على البشرية ولم ولن يجروا سوى الويلات على شعوب المنطقة والهزائم لاميركا. وما على السياسيين العرب الا ان يكونوا بمستوى قرنائهم واخوانهم المقاومين جرأة في الحق واصرارا على تحصيل الحقوق العربية المهدورة... وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون.
  • »لا-لا-لا (حاتم ابونعمه)

    السبت 16 كانون الأول / ديسمبر 2006.
    الجواب ببساطه لا- الوضع غير قابل للتغير في الوقت الحالي-- اميركا لا تنظر لمشكلة الشرق الاوسط بنفس المنظار الذي ينظر به باقي دول العالم-- اميركا تفهم الصراع العربي الاسرائيلي وكانه خلاف على قطعة ارض وليس حق تقرير مصير كما يراه العرب والفلسطنيين فطالما ان هذا الاعتقاد يظل ساري المفعول فلن يكون هنالك اي عجلة لتغير هذا المعتقد السائد والمغلوط