العبث في الديمقراطية!

تم نشره في الأربعاء 13 كانون الأول / ديسمبر 2006. 03:00 صباحاً

 

عندما يكون الحراك السياسي ضمن الاطار الديمقراطي الانتخابي لا يبقى مكان للتسويات المتعارضة مع نتائج الانتخابات، اية انتخابات، اذن ما معنى الحديث في لبنان عن حكومة وحدة وطنية، بعد ان جرت انتخابات عامة في ذلك البلد منتصف عام 2005، وما الحكومة القائمة حاليا الا الحصيلة الطبيعية لتلك الانتخابات، والمفروض ان تستمر الحكومة الى ان يحين موعد الانتخابات العامة القادمة بحسب المقتضيات الدستورية.

ويتكرر السؤال ذاته بالنسبة لفلسطين، حيث اصبحت حكومة الوحدة الوطنية مطلبا اقليميا ودوليا ملحا، مطلبا دخل كبند رئيسي على مبادرات السلام المطروحة،(المبادرة الاسبانية، والالمانية وما يتبع)، كما اصبح جزءا لا يتجزأ من اي بيان او تصريح يتعلق بما يجري في المنطقة. أليست الحكومة القائمة حاليا في فلسطين هي ايضا حكومة منتخبة منذ اقل من سنة، كما انها حصيلة طبيعية لانتخابات عامة جرت تحت رقابة دولية وحظيت بكل ما أكد نزاهتها وسلامتها؟ أليس ايضا من المفروض ان تستمر الحكومة الفلسطينية الى نهاية عمر المجلس التشريعي الذي انبثقت عنه وبحسب المقتضيات الدستورية؟

يبدو، بحسب ما نشهد، ان المفروض شيء بينما الواقع هو شيء مختلف تماما، فهل هو القصور في الديمقراطية ذاتها وفي قدرتها على اداء مهمة التمثيل العادل الصحيح، والمشاركة في الحكم كما تفرزها ارادة الناس الحرة، مرة كل اربع سنوات، كما هو الحال بالنسبة لأكثر الانظمة الديمقراطية عراقة وممارسة، ام هي الانتهازية السياسية التي اخذت تتفشى بسرعة، والتي بدأت تنخر في جسم الديمقراطيات العريقة الاصيلة؟ لتتحايل عليها وعلى نتائجها بأساليب مبتكرة تهدد الكثير من القيم والمبادئ التي حمت على مدى الزمن حقوق الناس ووفرت لهم نسبا متزايدة من العدالة والمساواة والحرية والمشاركة.

لا شك في وجود قصور في النظام الديمقراطي بحيث يلعب المال وتلعب المصالح ويلعب النفوذ السياسي والاجتماعي أدوارا من شأنها أن تصب في صالح البعض على حساب البعض الآخر. وبغض النظر عما توفره القوانين المعمول بها من كبح التعدي إلاّ انه من المستحيل التوصل لحالات مثالية، تبقى عندئذ أفضل الطموحات في إطار تحقيق ما هو افضل، وفي اطار الحفاظ على اكبر مقدار ممكن من الانضباط، وفي اطار الحرص على عدم انهيار الأمور إلى القدر الذي تصبح فيه الديمقراطية عنواناً بلا محتوى.

من الناحية النظرية، لا يوجد اي مبرر لمطالبة حكومة فؤاد السنيورة في لبنان بالاستقالة، ولا يوجد ايضا اي مبرر للدعوة لإجراء انتخابات جديدة، طالما ان الانتخابات التي جرت قبل عام ونصف كانت مطابقة للدستور.

من الناحية النظرية، لا يوجد اي مبرر، ايضاً، لمطالبة حكومة اسماعيل هنية بالاستقالة لتفسح المجال لقيام حكومة وحدة وطنية مكانها يكون التمثيل فيها غير منسجم مع نتائج الانتخابات النيابية التي جرت اصوليا ودستوريا في فلسطين قبل اقل من عام، ولا يوجد اي مبرر في هذه الحالة للدعوة لانتخابات فلسطينية جديدة.

لماذا اذن يقف "المجتمع الدولي" ضد اية دعوة لإسقاط حكومة السنيورة في لبنان، ويتهم القوى التي تطالب بذلك بأنها تتعدى على الديمقراطية، وعلى استقلال لبنان، وتعمل لصالح قوى اجنبية. وفي الوقت نفسه يطالب -"المجتمع الدولي"- بإسقاط حكومة حماس المنتخبة ديمقراطيا، ويفرض عليها حصارا محكما ومقاطعة مالية وسياسية ودبلوماسية خانقة، من اجل ان تتنحى جانبا لصالح قوى منافسة خسرت المعركة الانتخابية ورفضها الشعب الفلسطيني بكامل ارادته الحرة وخياره الطوعي الدستوري الصحيح؟

المعايير المزدوجة اخذت تنخر في صميم المبادئ التي تقوم عليها الديمقراطية، كما انها نخرت القانون الدولي وعطلت فاعليته، وزجت العلاقات الدولية في متاهات الصراع والتحالفات البغيضة واخلت الساحة بالتالي لموازين القوى لتحل مكان القوانين والمواثيق والاعراف والمبادئ.

الى اين نتجه اذا غاب القانون وتحكمت بنا شرائع القوة والمصالح والاغراض، واذا ظلت القوى الخارجية تنفذ من خلال مواقع الخلل الداخلية في اي بلد لزج اسافين الفتنة والتفتت الاجتماعي والتنازع السياسي والتسابق على مواقع الحكم.

الذي نظم الحياة السياسية في لبنان على مدى السنين هو معادلة دقيقة وحساسة في توازنها، نجحت ضمن اطار ديمقراطي معقول في تحويل لبنان الى بوتقة تعايش مثالية اثمرت ازدهارا وتقدما وانفتاحا جعل من لبنان متنفسا لدول وشعوب المنطقة. وبالرغم من كل الذي عانى منه لبنان من حروب داخلية وخارجية، ومن فقدان للامن وللاستقرار، عاد البلد لبناء نفسه ولملمة جراحه واعادة تركيب ذات المعادلة، وان بتكييفها بحسب مقتضيات الظروف، واستأنف حياته الى ان حل به الدمار الفظيع من جديد بعد ان شنت عليه اسرائيل حربها الاخيرة، وما يجري في لبنان الان هو نتيجة مباشرة لتلك الحرب التي تعرض لها لبنان خلال الصيف، وتلك الحرب التي وقعت في الصيف كانت استمرارا لحروب سابقة واحتلالات واعتداءات سابقة، وتلك الحروب السابقة كانت نتيجة لحروب فلسطين منذ عام 1948.

الديمقراطية، في احسن تجلياتها، تتعامل مع الناس كمواطنين متساوين في حقوقهم وواجباتهم امام القانون، واذا ما تطلعنا الى النموذج الاميركي لوجدنا المجتمع الاميركي يتكون من مواطنين اميركيين، فصيلة واحدة من الناس لا اكثر، صحيح ان ذلك المجتمع فيه اناس من مذاهب مختلفة واعراق مختلفة وخلفيات مختلفة، لكن هذه الاعتبارات لا تتدخل مطلقا في علاقة المواطن مع الدولة التي ترعاه وتمثله، يوجد في اميركا عرب ويهود ومسلمون ومسيحيون وشيعة وسنة واكراد واشوريون وكلدانيون وارمن وافارقة واسيويون واردنيون وعراقيون ولبنانيون وغيرهم في قائمة قد لا نصل لنهايتها، لكن لكل هؤلاء الناس تعريف واحد "مواطن اميركي" امام القانون، وامام صندوق الانتخاب، ولا يأخذ التمثيل في مجلس الشيوخ والنواب ولا في حكومات الولايات المحلية بنظر الاعتبار اساليب المحاصصة، كما يفرض علينا في بلادنا هذه الايام، وكما سجلت اخطر سابقة في العراق.

لقد سقطت الديمقراطية، كمفهوم وكممارسة واسلوب حكم، منذ ان ادخلت للعراق من البوابة الطائفية والمذهبية والاثنية، لو كانت الديمقراطية مسألة توزيع حصص ومواقع بين فصائل المجتمع المختلفة لانتفت الحاجة للانتخابات، كان يكفي عندئذ ان نعرف عدد الشيعة وعدد السنة وعدد الاكراد وعدد المسيحيين في العراق، او في اي بلد ثم يتم، بحسب نتائج الاحصاء، توزيع المقاعد في البرلمانات، للشيعة هذا العدد وللسنة هذا العدد وهكذا وتتحول الانتخابات الى مسألة داخل كل طائفة تختار العدد المطلوب منها وتقدمه للمجالس التشريعية، هذا تقريبا ما حصل في العراق، وان في اطار انتخابات عامة، ومن هنا تقسم البلد، وربما اصبح من المستحيل - وقد ظهرت عواقب هذه السابقة- تجريد كل جماعة مما حققته من مكاسب سياسية وامتيازات.

الخطورة التي تواجهها المنطقة هي ان هذه الظاهرة اخذت في التفشي، ولماذا نستغرب اذا شعر الشيعة في لبنان انهم اكثرية، وان حصتهم في البرلمان والحكومة لا تتناسب مع حجمهم العددي. ولماذا نستغرب ان تتفشى ظاهرة الوعي الطائفي والمذهبي والعرقي، بعد ان كنا جميعا مواطنين تجمعنا بوتقة المواطنة وروح المواطنة والرغبة الطوعية في التعايش في اطر الاوطان والقوانين. وان تتحول الديمقراطية الى وسيلة للمناورة السياسية واداة لخدمة الاغراض الآنية فتلك سابقة وخيمة العواقب.

ما نشهده الان من تحويل الديمقراطية الى شعار فارغ وملهاة عبثية سوى نماذج اولية والآتي اعظم. وتظل المعايير المزدوجة، وحكم القوة والابتزاز السياسي، والعبث بالمبادئ اخطر ما يواجه هذا العالم، ونحس به اكثر من غيرنا فنحن حقل التجارب.

سفير الأردن سابقا في الأمم المتحدة

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الشرق الاوسط الجديد (هاني عبدالحميد)

    الخميس 14 كانون الأول / ديسمبر 2006.
    ما يجري في شرقنا العربي هو نتيجة لما افرزته العملية الديموقراطية من قوى لها مواقف متناقضة من مشروع الغاء الهوية الوطنية ورهن مستقبل الاجيال بأبخس الاثمان(الشرق الاوسط الجديد). فلو ان حركات المقاومة الوطنية وحكومات والدول الرافضة وضعت مصلحة الشيطان اولا لكان كل شئ على ما يرام وديموقطراطي ولعملت الماكينة الاعلامية الغربية في الحقيقة تقتيلا وقامت بالتزييف اللائق بسماسرة الاوطان. الوضع في لبنان يختلف عنه في غزة حيث ان لبعض الاخوة من السياسيين اللبنانيين مقدرة فائقة على التلون وتغيير الخندق وبعدها يلبس لبوس الرهبان حيث يظهر انه بينه وبين الحقيقة جيرة عمر في حين انه انقلب على ماضيه وعلى ما افرزته مجريات العملية الديموقراطية لمصلحتة الذاتية واستقوى بالاجنبي رغم جسامة التضحيات ومنذ عهود الآباء والاجداد وفداحة الثمن الذي يطلبه الاعداء. انا اعتقد ان شعوبنا اوعى مما يظن الكثيرون وما اكثر دلالة على ذلك من ان الاعداء يضطرون هذه الايام ان يستعملوا كعدو في احد الاقطار العربية نفس النموذج الذي استعملوه كصديق في قطر اخر وما ذلك الا دليل على افلاسهم وزيفهم وان المستقبل المشرق الواحد لنامهما طال الزمن.