التخلص من عادة النفط

تم نشره في السبت 9 كانون الأول / ديسمبر 2006. 02:00 صباحاً

 قررت المستشارة الألمانية، آنجيلا ميركيل، منح قضية تغير المناخ أولوية كبرى على الأجندة الألمانية أثناء رئاستها للاتحاد الأوروبي ومجموعة الثماني، والتي تبدأ في شهر كانون الثاني القادم. وإنها لدعوة حقيقية عامة إلى زعماء العالم ليتفكروا فيها ويلبوها، ورسالة واضحة لا بد وأن تدركها الحكومات الأخرى والشركات الكبرى في العالم. فأثناء انعقاد قمة مجموعة الثماني القادمة، سوف يتم تحديد التاريخ الذي من بعده يصبح ترخيص السيارات العاملة بوقود مستخرج من النفط محظوراً في الدول الصناعية الكبرى.

مثل هذا القرار من شأنه أن يخلف أثراً اقتصادياً وسياسياً جغرافياً قوياً. فالسبب الحقيقي وراء المخاوف التي تقض مضجع العالم اليوم بشأن الطاقة لا يتعلق بانخفاض احتياطات العالم من النفط، بل هو يكمن في أن إنتاج النفط في الدول الأعلى استهلاكاً له -أوروبا، والولايات المتحدة، والصين- سوف ينحدر في نفس الوقت الذي يستنزف فيه الطلب الآسيوي المتنامي الأسواق. وسوف يتركز الاحتياطي المتاح على نحو متزايد في منطقة الشرق الأوسط لسبب بسيط، ألا وهو أن الإمدادات في مناطق العالم الأخرى كافة سوف تنضب أولاً.

فضلاً عن ذلك، فإن الدول الرئيسة المصدرة للنفط عاجزة عن إخضاع سياساتها الاستثمارية لمتطلبات السوق. فالمملكة العربية السعودية تسعى إلى إدارة إنتاجها من النفط على نحو مستقل، بينما تثير إيران مخاوف المستثمرين المحتملين بسبب العقبات البيروقراطية والفساد. أما العراق، فيعاني من الافتقار إلى الأمن. وفي روسيا يلقى المستثمرون الأجانب الإحباط عند كل منعطف. وتحتوي أراضي هذه الدول الأربع على نصف الاحتياطي العالمي المؤكد من النفط، وعلى ثلثي ما يمكن تصديره منه. كل هذا، وليس تكاليف الإنتاج، هو ما يشكل السبب الرئيس وراء ارتفاع أسعار النفط، والتسابق إلى الحصول على عقود النفط في وسط آسيا وإفريقيا.

والحقيقة أن من يزعم أن ارتفاع أسعار النفط أمر طيب لأنه يخدم البيئة، يتجاهل بعض الحقائق الأساسية التي تحرك السياسة الدولية، منها أن صادرات النفط في العديد من أكثر دول إفريقيا وآسيا فقراً تشكل حصة في الإنفاق الوطني أعلى كثيراً من نظيرتها في الدول الصناعية، الأمر الذي يعني تعريض النمو الاقتصادي والتنمية الاجتماعية في تلك البلدان للخطر، بينما تلوح أزمات ديون جديدة في الأفق.

كما أن عائدات إنتاج النفط تعيق الإصلاحات في الدول الرئيسة المصدرة للنفط. إذ بفضل القوة المالية التي اكتسبتها أنظمة كتلك الموجودة في فنزويلا وإيران، فقد أصبحت تشعر على نحو متزايد بعدم تقيدها بالقواعد الدولية. أما أحدث الدول في سوق الاستهلاك، مثل الصين، فقد أصبحت الآن تحاكي العادات السابقة للغرب الصناعي، بسجلها الطويل في تجاهل حقوق الإنسان في سبيل تأمين الصفقات المربحة مع الأنظمة الاستبدادية الثرية بالنفط.

والآن لم يعد بوسع أي جهة سوى الدول ذات الثقل السياسي والاقتصادي الضخم، أي الدول الصناعية الرئيسة التي تظل تشكل المستهلك الأكبر للمركبات الهيدروكربونية على مستوى العالم، أن تبدأ التغيير على نطاق عالمي. فالتغيير لا بد وأن يبدأ في قطاع النقل المسؤول عن أكثر من نصف الاستهلاك الحالي من النفط، وهي الحصة التي من المرجح أن ترتفع في المستقبل.

لذا، يتعين على دول مجموعة الثماني أن توافق على عدم منح التراخيص لأي سيارات جديدة تعمل بالوقود المستخرج من النفط بداية من العام 2025 فصاعداً. وهذا القرار لن يكون موجهاً ضد القدرة الفردية على الحركة والانتقال، بل ضد تبديد مورد نادر يحتاج إليه العالم على نحو أكثر إلحاحاً لإنتاج المواد المصنعة كيميائياً.

ويتعين على الزعماء السياسيين ألا يميزوا أي تكنولوجيا بعينها، بل ينبغي عليهم، بدلاً من ذلك، أن يزودوا صناعة السيارات بالحوافز اللازمة لتطوير التقنيات البديلة التي تعتمد على الوقود الحيوي، والإيثيلين، والهيدروجين، بل وحتى الغاز الطبيعي، أثناء فترة انتقالية. ويتعين على الدول التي تتقدم الطريق على الصعيد السياسي، أن تمنح الصناعات المحلية وضعاً رائداً في مجال تكنولوجيا الطاقة، لضمان أسواق المستقبل.

إن الانخفاض الكبير المتوقع في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون نتيجة لهذا قد يقود العالم في النهاية إلى التقدم المطلوب من جانب السياسة الدولية فيما يتصل بقضية المناخ. إلا أن التنمية الاقتصادية أيضاً تلعب دوراً رئيساً في هذا السياق: ذلك أن علاجنا من "إدمان" النفط من شأنه أن يترك المزيد من قدرات التنمية الاقتصادية للدول الأكثر فقراً والأقل نمواً، والدول الصناعية الحديثة، علاوة على تخفيض الأسعار وتخفيف حدة المنافسة الجغرافية السياسية على الطاقة.

وعلى الصعيد الجغرافي السياسي، فإن الفوائد المترتبة على هذا لا تقل وضوحاً، ذلك أن قدرة الدول الرئيسة المصدرة للنفط على ابتزاز الدول الصناعية سوف تنخفض إلى حد كبير، وهذا من شأنه أن يعزز قدرة المجتمع الدولي التفاوضية في الشرق الأوسط، وقد يعزز أيضاً القوى الاجتماعية في دول مثل إيران وروسيا، وهي القوى الراغبة بجدية في الترويج للإصلاح السياسي والاقتصادي من الداخل.

الحقيقة أن ألمانيا، باعتبارها دولة متقدمة تكنولوجياً ومن كبريات الدول المنتجة للسيارات، تجد نفسها اليوم في وضع طيب يسمح لها بالقيام بهذه المبادرة. وقد تحظى ميركيل، التي تحمل شهادة دكتوراه في الفيزياء، والتي بدأت حياتها السياسية كوزيرة للبيئة -وتولت في العام 1995 رئاسة المؤتمر الأول لمعاهدة الأمم المتحدة بشأن تغير المناخ- بقدر أكبر من المصداقية في التعامل مع هذه القضية مقارنة بأي من زملائها في الاتحاد الأوروبي أو مجموعة الثماني. لقد حان الوقت الآن لاتخاذ خطوة زعامية جريئة.

فولكر بيرثيس مدير المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمن (SWP). وفريدمان مولر كبير زملاء المعهد نفسه، وخبير في أمن الطاقة.

خاص بـ"الغد"، بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت.

التعليق