أزمة كالديرون

تم نشره في الخميس 7 كانون الأول / ديسمبر 2006. 02:00 صباحاً

في ظل ظروف مشؤومة حصلت المكسيك أخيراً على رئيس جديد في يوم الجمعة الماضي. أدى فيليب كالديرون قسم تولي المنصب، متحدياً غضب معارضيه من جناح اليسار، ومتفوقاً على حزب الثورة الديمقراطي(PRD) وزعيمه أندريس مانويل لوبيز أوبرادور، إلا أن الثمن الذي سيتكبده سوف يكون باهظاً. لقد شاهدنا جميعاً نفس العنوان الرئيسي في كل نشرات الأخبار التلفزيونية والصفحات الأولى للجرائد في العالم: "تنصيب رئيس مكسيكي جديد في جو من الفوضى وتبادل اللكمات".

لقد نجحت مؤسسات المكسيك -بالكاد- في مقاومة الهجوم الضاري الذي شنته المعارضة المتمردة من جناح اليسار في محاولة يائسة ولكن غير مجدية لمنع تنصيب كالديرون. أما الحزب الثوري التشريعي(PRI)، الذي كان متحمساً على نحو متزايد للسماح لكالديرون بتولي منصب الرئاسة، فقد تراجع على نحو مؤسف. لقد نجح كالديرون على نحو مثير للإعجاب في التغلب على العقبات العسيرة التي واجهته في طريقه إلى الرئاسة، إلا أن النضال من أجل بسط هيمنته على المكسيك وتحويلها لم يبدأ إلا للتو.

يرى أغلب المحللين المكسيكيين أن كالديرون يستطيع بسهولة نسبياً أن يستفيد من الفشل الذاتي الذي أحدثته فترة حكم الرئيس المنتهية ولايته فيسينتي فوكس. وأن المكسيك تحتاج إلى النمو بمعدل يوازي تقريباً ضعف المعدل الذي حققته أثناء ولاية فوكس(والذي لم يتجاوز 2% سنوياً). وإذا تمكن كالديرون من تعزيز القانون والنظام، واستخدام مهاراته السياسية الضخمة في التوصل إلى اتفاق مع الحزب الثوري التشريعي بشأن الإصلاحات الاقتصادية البنيوية، فلسوف يكتب له النجاح.

إلا أن هذه النظرة مبالغة في التبسيط. ذلك أن فترة ولاية فوكس، والأعوام الأربعة الأخيرة من ولاية الرئيس السابق إرنستو زيديلو، لم تكن فشلاً كاملاً. فلم يسبق للمكسيك من قبل أن شهدت عشرة أعوام متواصلة من الاستقرار الاقتصادي، وانخفاض معدلات التضخم، وانخفاض أسعار الفائدة، واستقرار العملة، وتحقيق نمو ثابت على الرغم من ضآلته. وللمرة الأولى على الإطلاق أصبحت صكوك الرهن العقاري، وقروض السيارات، وبطاقات الائتمان الاستهلاكية متاحة لأفراد الطبقة المتوسطة الدنيا: في هذا العام كان عدد المساكن التي بنيت وبيعت وعدد السيارات المباعة أكثر من كل ما بني من مساكن وبيع من سيارات من قبل.

على نحو مماثل، وعلى الرغم من الانتقادات الموجهة إلى فوكس بسبب عدم صرامته في التعامل مع المحتجين والمعارضة المزعجة المتطرفة، إلا أنه لم يلجأ قط إلى القمع الدموي الذي اشتهر به أغلب الرؤساء الذين سبقوه. فضلاً عن ذلك فقد نجح في إخراج المكسيك من شرنقة السياسة الخارجية العتيقة، كما وضع قضايا الهجرة وحقوق الإنسان على رأس الأجندة الدولية الجديدة للمكسيك.

فضلاً عن ذلك فإن كالديرون يواجه صعوبة في التفاوض مع الحزب الثوري التشريعي، الأمر الذي يعني إخفاقه في تشكيل حكومة الإتلاف التي أعلن مراراً وتكراراً أنها الحل الوحيد للطريق المسدود الذي ابتليت به المكسيك منذ العام 1997. وأياً كانت المزايا المترتبة على تأليف مجلس الوزراء بالكامل من حزب العمل الوطني (PAN)، فإن هذا ليس ما كان كالديرون يسعى إلى تحقيقه. وعلى نحو مماثل، عجز كالديرون عن التوصل إلى اتفاق مع المعارضة بشأن مراسم التنصيب ـ الأمر الذي أدى إلى الفوضى والمشاهد المؤسفة لأعضاء الكونجرس وهم يتقاتلون، بينما اقتيد كالديرون عبر الباب الخلفي لإجراء مراسم التنصيب في عجالة.

قد تكون المشاكل الاقتصادية التي تواجهها المكسيك أكثر عناداً مما يتصور العديد من المعلقين والمحللين. لقد شهدت المكسيك فُـرجة اقتصادية متواضعة تحت حكم الرئيس السابق كارولس ساليناس في الفترة من العام 1988 إلى العام 1994؛ ثم فُـرجة سياسية متأخرة ولكنها ناجحة أثناء ولاية الرئيس السابق زيديلو في الفترة من العام 1994 إلى العام 2000؛ وبعد طول انتظار، شهدت المكسيك تداولاً للسلطة بفضل الرئيس فوكس. إلا أن الأسس التي بني عليها الحزب الثوري التشريعي أثناء ثلاثينيات القرن العشرين ما زالت كما هي لم تتغير أو تتبدل، وأصبحت تشكل العقبة الرئيسية الكئود التي تعيق المكسيك في طريقها إلى النمو والنجاح.

والعماد الأول الذي يقوم عليه هذا النظام يتلخص في الاحتكارات الاقتصادية العامة والخاصة التي تهيمن على البلاد. فالشركات المملوكة للدولة مثل شركة النفط Pemex وشركة الطاقة الكهربية(اللجنة الفيدرالية للكهرباء) لا تواجه أي منافسة. أما الاحتكارات الخاصة في مجالات الاتصالات Telmex، والبث التلفزيوني Televisa، وصناعة الأسمنت Cemex، وصناعة الخبز والفطائر Bimbo و Maseca، والبنوك Banamex/Citigroup  and Bancomer/Banco de Bilbao، فربما تواجه المنافسة في الخارج، ولكن ليس في الداخل. ولقد أصحبت هذه الاحتكارات أقوى من أي وقت مضى، الأمر الذي ترتب عليه قدر كبير من العناء فيما يتصل بالأسعار، والإمدادات، والخدمات، والجودة.

أما العماد الثاني فيتألف من الاتحادات النقابية التي تسيطر على الحركة العمالية في المكسيك منذ ثلاثينيات القرن العشرين. وتتمتع هذه النقابات بصلاحية تعيين أو فصل العمالة بلا منازع، وانتخاب الزعامات بالتهليل والتصفيق، والتفويض بلا شفافية، فضلاً عن السلطة السياسية الهائلة التي تتمتع بها. تُـعَـد نقابة المعلمين النقابة الأكبر في أميركا اللاتينية، ونقابة عمال النفط النقابة الأكثر ثراءً في أميركا اللاتينية. أما نقابة موظفي الضمان الاجتماعي فقد حرصت على إحباط أي محاولة لإصلاح معاشات التقاعد أو الرعاية الصحية لأعوام.

يتألف العماد الثالث الذي يقوم عليه ذلك النظام من الاحتكار السياسي. فقد ظل الحزب الثوري التشريعي طيلة سبعين عاماً محكماً قبضته على السياسة المكسيكية؛ والآن توزعت هذه القبضة على ثلاثة أحزاب، ولا تستطيع أي جهة أخرى أن تدخل إلى الساحة السياسية أو تطمع في نصيب من الإعانات العامة الهائلة ـ أكثر من خمسمائة مليون دولار أميركي في العام الماضي ـ التي توزع على هذه الأحزاب. وتتولى الأحزاب الرئيسية سن التشريعات المنظمة للاحتكارات التجارية، والتصويت على كم الإعانات التي ستحصل عليها، واختيار مسؤوليها المنتخبين. وبفضل غياب نظام إعادة الانتخاب على أي مستوى، تتعزز قوة الشخصيات الرئيسية في تلك الأحزاب: بحيث يصبح بوسعها أن تختار المرشحين، الذين يصادق الناخبون على اختيارهم فحسب.

نستطيع أن نقول إن التحديات التي تواجه المكسيك تتلخص في تحرير الحركة العمالية، وكسر الاحتكارات الخاصة وفتح الاحتكارات العامة للمنافسة، وتخفيض الحواجز التي تقيد الدخول إلى ساحة العمل السياسي. قد لا تكون هذه الشروط كافية للنجاح، إلا أنها بلا أدنى شك شروط ضرورية.

يتعين على كالديرون أن يعمل على تعزيز رئاسته منذ البداية. وربما كان السبيل الوحيد لتحقيق هذه الغاية يتلخص في مهاجمة مراكز القوى، على الرغم مما يشتمل عليه هذا من مجازفة خطيرة. إلا أن موقف كالديرون سوف يكون عصيباً على أية حال، فقد انتخب بنسبة لم تتجاوز 35% من الأصوات، فضلاً عن افتقاره إلى الأغلبية في الكونجرس، كما أنه يتسلم منصبه في عشية تباطؤ اقتصادي مرتقب في الولايات المتحدة.

وإذا ما علمنا أن ما يقرب من ثلث الناخبين لا يعتقدون أن النصر الذي حققه كالديرون في الانتخابات كان نزيهاً، ونظراً لاهتزاز وتقلب حكم القانون في البلاد، فلابد وأن ندرك أن كالديرون في موقف لا يحسد عليه. وقد لا يكون توخي الحذر والتحلي بالصبر من أفضل النصائح التي نستطيع أن نقدمها إليه.

وزير خارجية المكسيك الأسبق، أستاذ دراسات أميركا اللاتينية بجامعة نيويورك.

خاص بـ "الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق