ميلتون فريدمان يكمل نظرية كينز في الاقتصاد

تم نشره في الثلاثاء 5 كانون الأول / ديسمبر 2006. 02:00 صباحاً

في شهر نوفمبر/ تشرين الثاني توفي أشهر المفكرين الأميركيين وأكثرهم نفوذاً في عالم الاقتصاد أثناء القرن الماضي. لم يكن ميلتون فريدمان أشهر المفكرين الاقتصاديين وأكثرهم نفوذاً في العالم، فهذا الشرف يرجع إلى جون ماينارد كينـز. إلا أن ميلتون فريدمان احتل المرتبة الثانية بجدارة.

من ناحية كان ميلتون فريدمان تلميذاً نجيباً، وخليفة، ومتمماً لعمل كينـز. كان كينـز في مؤلفه "نظرية عامة في تشغيل العمالة، والفائدة، والنقود" قد وضع إطار عمل يستعين به اليوم كافة خبراء الاقتصاد الشامل تقريباً. ويستند إطار العمل هذا إلى الإنفاق والطلب، والعوامل المحددة لعناصر الإنفاق، ونظرية تفضيل السيولة النقدية فيما يتصل بأسعار الفائدة على القروض قصيرة الأجل، وضرورة اضطلاع الحكومة بدور استراتيجي قوي في الاقتصاد بهدف الحفاظ على التوازن وتجنب الفتور الاقتصادي أو النشاط الاقتصادي الزائد. وكما قال فريدمان: "جميعنا نعمل وفقاً لمذهب كينـز في هذا الإطار".

إلا أن نظرية كينـز لم تكن مكتملة: حيث إنها كانت تتعامل مع تشغيل العمالة، والفائدة، والنقود، ولم تكن نظرية أسعار. فقد أضاف فريدمان إلى إطار العمل الذي أسسه كينـز نظرية الأسعار والتضخم، استناداً إلى فكرة المعدل الطبيعي للبطالة وحدود تأثير السياسة الحكومية فيما يتصل بتحقيق الاستقرار الاقتصادي والنمو على الأمد البعيد ـ وهي الحدود التي إذا ما تجاوزتها الحكومة فقد يؤدي ذلك إلى حدوث حالة من التضخم المدمر الذي لا يمكن السيطرة عليه أو التحكم فيه.

فضلاً عن ذلك فقد عمل فريدمان على تصحيح إطار العمل الذي أسسه كينـز فيما يتصل بجانب على قدر عظيم من الأهمية. فقد قادت تجربة الأزمة الاقتصادية العظمى كينـز وخلفاءه الأكثر تقليدية إلى الاستهانة إلى حد كبير بالدور الذي تلعبه السياسة النقدية. ومن خلال حملة دامت لمدة ثلاثين عاماً بدأها فريدمان بكتابه الذي شارك آنّا جيه. شوارتز في تأليفه تحت عنوان "تاريخ النقد في الولايات المتحدة"، نجح في استعادة التوازن. وكما قال فريدمان أيضاً: "وهنا لا أحد منا يتبع مذهب كينـز".

ومن ناحية أخرى، كان فريدمان الخصم والعدو الرئيسي لكينـز وخلفائه. كان فريدمان وكينـز قد اتفقا على ضرورة الاستعانة بالإدارة الناجحة للاقتصاد الشامل ـ وأن الاقتصاد الخاص بمفرده قد يخضع لحالة لا تطاق من عدم الاستقرار، وأن التدخل الاقتصادي الاستراتيجي القوي، ولكن المحدود، من قِـبَل الحكومة ضروري للحفاظ على الاستقرار. ولكن بينما كان المفتاح الرئيسي بالنسبة لكينـز يتلخص في الحفاظ على استقرار مجموع الإنفاق الحكومي والاستثمار الخاص، إلا أن المفتاح الرئيسي بالنسبة لفريدمان كان يتلخص في الحفاظ على استقرار المعروض من النقود ـ أو حجم القوة الشرائية، في هيئة قابلة للإنفاق، بين أيدي المصالح التجارية والأسر العادية.

نستطيع أن نعتبر هذا اختلافا فنيا بسيطا في الوسيلة، أو اختلافا في الرأي يستند إلى أحكام مختلفة بشأن الكيفية التي يعمل بها العالم، والتي تساندها الأبحاث التجريبية. لكننا بهذا نكون قد لامسنا جانباً واحداً من الصواب. ذلك أن هذا الاختلاف في الوسائل، والتكتيكات، والأحكام التجريبية كان يستند إلى هوة عميقة بين الفلسفة الأخلاقية لكل من كينـز وفريدمان.

كان كينـز يعتبر نفسه عدواً لسياسة "عدم التدخل" ومدافعاً عن إدارة الحكومة للاقتصاد.

وكان يتصور أن المسؤولين الحكوميين البارعين، من ذوي النوايا الحسنة، يستطيعون تصميم مؤسسات اقتصادية قادرة على التفوق على السوق ـ أو على الأقل قادرة على التحكم في السوق من خلال الضرائب، والإعانات، والتنظيمات. إلا أن هذا لم يحدث. فقد زعم كينـز أن الحوافز الخاصة التي تحرك القوى النشطة في السوق تنسجم بطبيعتها مع الصالح العام. ذلك أن كينـز كان شديد الإيمان بالتكنوقراط: الخبراء البارعين القائمين على تصميم وتوجيه المؤسسات، والذين يعملون، بدافع من صلاح قلوبهم، على تحقيق الرخاء العام ـ كما فعل كينـز ذاته في بريتون وودز حيث تم إنشاء البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.

إلا أن فريدمان كان حاسماً في اعتراضه على هذا. فهو يرى أن مصالح السوق الخاصة هي التي تنسجم عادة مع الصالح العام: وكانت حالات الإخفاق البارزة للسوق هي الاستثناء وليس القاعدة، وأن سياسة عدم التدخل كانت تشكل سياسة أولية طيبة. فضلاً عن ذلك، كان فريدمان يرى أنه حتى حين تتضارب المصالح الخاصة مع المصالح العامة، فلا يمكن الاعتماد على الحكومة في علاج هذه المشكلة.

ولقد زعم فريدمان أن إخفاقات الحكومة كانت أضخم وأكثر ترويعاً من إخفاقات السوق. فالحكومات قد تكون فاسدة أو عاجزة في كثير من الأحوال. وكثيراً ما يكون المسؤولون الحكوميون مجرد أشخاص يعشقون توجيه الأوامر للآخرين فحسب.

وفي ذات الوقت، كان فريدمان يرى أنه حتى حين لا يحقق توازن السوق الدرجة القصوى من الضمان الاجتماعي، وحتى حين يمكن استخدام الحكومة كأداة لتحسين الأمور من وجهة النظر النفعية، فلسوف تظل هناك قيمة إضافية تتمثل في السماح للحرية الإنسانية بأكبر حيز ممكن. كما كان فريدمان يعتقد أن السماح للحكومة بتوزيع الأوامر على الناس يشكل خطأً فادحاً ـ حتى ولو كانت الحكومة على دراية وخبرة بما تفعله.

لا أدري إن كان كينـز أو فريدمان أكثر ميلاً إلى الصواب. إلا أنني أعتقد أن الشد والجذب القائم بين نظرتيهما كان ذا قيمة عظيمة كقوة دافعة للتقدم الإنساني طيلة المائة عام الماضية.

جيه. برادفورد ديلونج أستاذ علوم الاقتصاد بجامعة كاليفورنيا في بيركلي، وكان مساعداً لوزير خزانة الولايات المتحدة أثناء ولاية كلينتون.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق