ياسر أبو هلالة

التكاثر العراقي والتوافق اللبناني

تم نشره في الاثنين 4 كانون الأول / ديسمبر 2006. 02:00 صباحاً

في مجتمعات عربية غير قابلة للقسمة وغير قابلة للجمع يظل التوافق المدخل الوحيد لمنع  تشظيها في احتراب أهلي. وإن كان الأخضر الإبراهيمي يسجل له دوره في الحفاظ على لبنان من خلال دوره في اتفاق الطائف التوافقي، يحسب عليه دوره في الصيغة التدميرية للانتخابات العراقية التي قامت على مفهوم التكاثر، التكاثر بالتعداد وبالتصويت الانتخابي وبالاحتلال الأميركي.

حتى الآن لم يجر إحصاء سكاني في العراق، وخبراء الإحصاء أجمعوا على استحالة إجرائه في ظروف الاحتلال الأميركي وما تلاه. مفهوم الأكثرية الحاكمة في العراق انبنى على مقاربات ومقارنات إحصائية أفضت إلى مزاج عام بأن الشيعة "أكثر الإقليات عددا"، وبموازاته مزاجا آخر يقول إن الأكراد هم "أكثر الأقليات نفوذا"، وبين المزاجين كان الاحتلال يخترع صورة للعراق الجديد تقول إن الأكثرية مع التحرير والديمقراطية، مقابل "أقلية سنية بعثية إرهابية تكفيرية" تريد مواصلة مسلسل إبادة الشيعة والأكراد للحافظ على تغلبها.

الصورة المخترعة خدمت الإدارة الأميركية في فترة ما، لدى الرأي العام الأميركي بخاصة والغربي بعامة، وسرعان ما تبدت الصورة الحقيقية المرعبة للواقع في العراق. فالحاكمون الجدد لبغداد فاقوا النظام السابق في استبداده وفساده وحروبه العرقية، وارتكب بحق السنة من جرائم التهجير والتقتيل والتعذيب على يد المحتل وما بناه من جيش وشرطة ومليشيات ما لايقل فظاعة عما ارتكبه النظام السابق، مع فارق لصالحه أنه كان نظاماً وبنى دولة فيها تعليم وماء وكهرباء ومستشفيات وبرنامج نووي وكيمياوي وصاروخي(استخدم بعضه ضد الأكراد وبعضه ضد إسرائيل).

نظام التكاثر الذي أبدعه الأميركيون بمساعدة الأمم المتحدة كان صاعق الحرب الأهلية. فالشيعة والأكراد مارسوا إقصاء وتهميشا ليس ضد السنة بل ضد باقي الأقليات من تركمان ومسيحيين وغيرهم. وتفردت الأقليتان المتكاثرتان بالدولة إمكانات وموارد، بالاستفادة من تعداد الشيعة ونفوذ الأكراد وهيمنة الاحتلال ونتائج الانتخابات المركبة وفق التكاثر.

مجلس الحكم الانتقالي والحكومة الانتقالية كانا بالمقاييس النسبية أكثر تمثيلا وعدالة من"الحكومة الدائمة" التي أفرزتها الانتخابات الأخيرة. يومها لم تكن حربا أهلية، فالسلاح كان مصوبا ضد الاحتلال ومن يعملون معه حصرا، وفي المقابل كان السلاح الأميركي والحليف له مصوبا ضد المقاتلين. معركة الفلوجة الأولى، مثلا، لم يقل أنها معركة ضد السنة، ومعركة النجف مع جيش المهدي لم يقل أنها معركة ضد الشيعة.

السنة قاطعوا العملية السياسية، وكان الأجدى بهم أن يواصلوا مقاطعتها ما لم تصوب باتجاه  التوافق الذي يعطي كل "أقلية" في بلد منقسم حق النقض "الفيتو"، وصولا إلى بناء دولة قائمة على المواطنة لا المحاصصة. هذا ما بنى لبنان منذ الاستقلال وعندما حاولت أي "أقلية" الإخلال بنظام التوافق تكاثرا بتعدادها وبنفوذها كانت النتيجة وبالا على الجميع. وما بعث لبنان من الرماد لولا إحياء التوافق باتفاق الطائف.

على الطوائف العراقية أن تعترف بأنها مهما كان تكاثرها تظل "أقلية" كبرت أم صغرت. ولا تستطيع الاستفراد بالسلطة، وإن كان صدام حسين بكل ما أوتي من دولة وقوة وبطش لم يستطع فرض الهيمنة العربية(سنية وشيعية) على الأكراد. فكيف يستطيع من يجلسون على كرسي متداع أن يهيمنوا على العرب السنة؟ وإن عجزوا عن ذلك في ظل إسناد أعتى قوة عرفها تاريخ البشر فماذا هم فاعلون بعد رحيلها القريب؟

الحل في العراق هو اتفاق طائف- عراقي، وهو ما يبدو بعيد المنال في ظل تخلي اللبنانيين عن طائفهم بعد أن ألهاهم التكاثر.

yaser.hilala@alghad.jo

التعليق