خطاب أولمرت: التكتيك والاستراتيجية

تم نشره في الأحد 3 كانون الأول / ديسمبر 2006. 03:00 صباحاً

 

اختار الكثير من المحللين الإسرائيليين، منذ يوم الاثنين الماضي، وضع خطاب رئيس الحكومة الإسرائيلية، إيهود أولمرت، عند قبر أول رئيس حكومة إسرائيلية، دافيد بن غوريون، في قالب "المفاجأة"، وزعم البعض ان أولمرت كتب الخطاب بنفسه، وعرضه على عدد قليل جدا من المستشارين، الذين أجروا التعديلات على بعض صياغاته، لكي لا يظهر وكأن أولمرت يبث تفاؤلا "أكثر من اللازم".

من جهة أخرى فإن الصحافي والمحلل السياسي الإسرائيلي البارز، في صحيفة "يديعوت أحرنوت"، شمعون شيفر، نقل في تقرير صحافي له في نهاية الأسبوع، عن "مصادر" في ديوان رئاسة الحكومة الإسرائيلية قولها، إن كل ما جرى في الأسبوع الماضي من اتفاق وقف إطلاق نار، وخطاب أولمرت، ما هو إلا "مسرحية من أجل جورج بوش" بالتزامن مع زيارته إلى المنطقة.

وهذا ما سنعرفه في الأيام القادمة في حال تدهور الأوضاع الأمنية، فاتفاق وقف إطلاق النار، غير المكتوب، مليء كسابقيه بالألغام، وأكبر هذه الألغام ان الاتفاق لا يشمل الضفة الغربية، وقيل ان الأجهزة الاستخباراتية والعسكرية الإسرائيلية، التي قالت بوضوح إنها لم تكن شريكة بالاتفاق، تعارض شمل الضفة الغربية بالاتفاق، وفي المقابل فإن مجموعات صغيرة في قطاع غزة قررت فرض معادلة، وهي: إطلاق قذائف فلسطينية باتجاه مواقع إسرائيلية كرد على مقتل كل فلسطيني في الضفة الغربية، وهو ما تعتبره حكومة الاحتلال "خرقا" للاتفاق.

السؤال الرئيسي المطروح حاليا: ما هي الدوافع التي حفزّت أولمرت على إلقاء خطابه، الذي يعتبر شاذا في سلسلة خطاباته منذ ربيع العام الحالي مع بدء ولاية حكومته الجديدة، رغم أن هذا الخطاب لا يبشر بأن إسرائيل قبلت بالحل الدائم، القائم على أساس دولة فلسطينية على كامل الأراضي المحتلة منذ العام 1967، بما فيها القدس عاصمة، وتطبيق حق العودة، بل إن أولمرت أكد مجددا على نيته الاحتفاظ بالكتل الاستيطانية، ورفض أي حديث عن حق العودة.

ومع هذا فإن الدوافع هي داخلية وخارجية، وأيضا تكتيكية لتجاوز المرحلة.

في المقابل هنالك رؤى استراتيجية بعيدة المدى، فعلى الصعيد الداخلي، ومنذ أن بدأت حكومة أولمرت ولايتها الجديدة في مطلع أيار (مايو) لم تتوقف ليوم حالة الحرب والتدهور الأمني، فهذه الحكومة واصلت قصف قطاع غزة، قبل نهاية حزيران (يونيو) حين وقعت عملية المقاومة الفلسطينية التي أسفرت عن أسر جندي احتلال إسرائيلي، وبعد ثلاثة أسابيع بدأت حربا على لبنان دامت 33 يوما، وفي الوقت نفسه لم يتوقف العدوان على قطاع غزة، حتى الأيام الأخيرة.

وعلى مدى سبعة اشهر تقهقرت شعبية الحكومة وقادتها إلى حضيض غير مسبوق لحكومة إسرائيلية، كما تشير استطلاعات الرأي، التي تشير، أيضا، في الأسابيع الأخيرة إلى أكثرية إسرائيلية تدعو إلى إجراء مفاوضات مع الجانب الفلسطيني لوضع حد لحالة التدهور الأمني، كما ان هناك أكثرية تؤيد الشروع بمفاوضات مع سورية، والحكومة اختارت تجاهل هذا الجانب من استطلاعات الرأي حتى الآن، وسنرى ما إذا كان خطاب أولمرت تجاوبا مع هذه الاستطلاعات.

بالمجمل العام نستطيع القول ان هناك ضغطا شعبيا يتنامى على هذه الحكومة لتفعل شيئا للخروج من الأزمة الأمنية الراهنة طالما ان الحل العسكري لم ينفع حتى الآن، خاصة وإنه بعد أيام يكون جندي الاحتلال قد أمضى ستة أشهر في قطاع غزة من دون أية بوادر جدية لإطلاق سراحه، وهذا أيضا يساهم في تدهور شعبية الحكومة، كذلك قضية الأسيرين الإسرائيليين في لبنان.

 إن أولمرت بحاجة إلى إنجاز في هذه الأيام في محاولة للخروج من الحضيض، وعلى ما يبدو فإنه معني "بتجربة" خيار التهدئة للافراج على الأقل عن الاسير في قطاع غزة، آملا ان يحسن هذا في وضعيته في الشارع الإسرائيلي.

أما على الصعيد الخارجي فهناك أمران، أولهما الإدارة الأميركية ورئيسها جورج بوش، الذي تلقى ضربة قاصمة في الانتخابات التشريعية الأميركية قبل شهر، وهذا في الدرجة الأولى نتيجة لسياسته الخارجية، في العراق أولا، ولكن أيضا في مجمل الشرق الأوسط، وإدارة بوش، على ما يبدو معنية باستخلاص العبر، التي تقتضي الخروج من الوحل العراقي والتحرك السياسي في الملف الساخن والمزمن في الشرق الأوسط، الإسرائيلي- الفلسطيني، وليس مستبعدا ان أولمرت، وفي زيارته الأخيرة إلى واشنطن، تلقى طلبا من الإدارة الأميركية لفحص إمكانية التوجه إلى التهدئة.

وبموازاة هذا، فإن الحديث يكثر في إسرائيل حول مبادرات سياسية تجري صياغتها في أوروبا وواشنطن لتفرضها على المنطقة، وإسرائيل "لا تحبذ" مبادرات سياسية خارجية، ولهذا فإن أولمرت قد يهدف من خطابه السياسي استباق هذه المبادرات بمبادرة إسرائيلية، التي نستطيع بأي حال من الأحوال الاعتماد عليها.

أية مبادرة إسرائيلية ستهدف بالأساس إلى المماطلة، وإبعاد المفاوضات الجدية حول الحل الدائم أكثر ما يمكن، ريثما تنجح إسرائيل في فرض الكثير من الواقع الاستيطاني في الضفة الغربية، ولهذا فإن محاصرة إسرائيل وجرها نحو طاولة المفاوضات هي معركة ستجمع الكثير من النقاط للجانب الفلسطيني.

ولكن من جهة أخرى، فرغم محاولات التهرب الإسرائيلية من دائرة المفاوضات، إلا أن إسرائيل تعرف ان ساعة الحسم لمستقبلها قد اقتربت، وهي لا تستطيع الاستمرار في الوضع القائم، فسلسلة من المعطيات المهمة هي بمثابة إنذار أمام الحركة الصهيونية، وقادة إسرائيل من ضمنها.

ونحن نتحدث عن العامل الديمغرافي، ولكن أيضا العامل الجغرافي الذي ظهر في الأيام الأخيرة، فعلى الصعيد الديمغرافي (السكاني)، فإن كل التقارير الإسرائيلية الرسمية، أو تلك الصادرة عن الحركة الصهيونية، تؤكد ان الهجرة إلى إسرائيل تتراجع من عام إلى آخر، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الهجرة لم يعد بإمكانها سد الفجوة الحاصلة بين ولادات اليهود والعرب في إسرائيل.

فقد أعلنت دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية في الأسبوع الماضي، أن نسبة الولادات لدى فلسطينيي 48 هي 22%، بينما نسبة فلسطينيي 48 من بين السكان هي 17% وهذه النسبة بعد خصم مواليد فلسطينيي القدس المحتلة، والسوريين في الهضبة الجولان المحتلة، كما ان معدل الولادات للأم اليهودية هو 2.7 مولود، في حين ان المعدل لدى الأم الفلسطينية هو 3.6 مولود، وهذا يعني أنه لن يكون بإمكان إسرائيل الحفاظ على نسبة 80% من اليهود مستقبلا، وهي ستبدأ حالة تراجع كبيرة.

وتنضم إلى هذه المعطيات، تقديرات معهد تخطيط إسرائيلي، قال في الأيام القليلة الماضية، إن إسرائيل في العام 2020 ستكون الأكثر كثافة في العالم، مع 900 نسمة على كل كيلومتر مربع، وفي حالة اختناق كهذه فإن الأبواب ستكون مفتوحة أمام الهجرة المعاكسة، أو على الأقل وقف الهجرة إلى إسرائيل.

وهذا الوضع يفرض على قادة إسرائيل والحركة الصهيونية، الدفع في اتجاه دولتين كحل استراتيجي، ولكن مع أقل ما يمكن مما تعتبره إسرائيل "خسائر"، فعشرون عاما إلى الأمام ليست بالفترة الزمنية الطويلة جدا، وإسرائيل ستكون معنية ألا تنهي هذه الفترة من دون حل للصراع الإسرائيلي الفلسطيني. 

صحافي وكاتب سياسي- الناصرة

bjaraisi@yahoo.com 

التعليق