ياسر أبو هلالة

توماس فريدمان نموذج فج للسطحية الأميركية

تم نشره في السبت 2 كانون الأول / ديسمبر 2006. 03:00 صباحاً

 

كم كنت سعيدا عندما عرى حافظ الميراز توماس فريدمان في برنامج "من واشنطن"، فالكاتب المشهور صاحب كتاب "الكون المسطح" انكشف على الهواء واعترف أن اقتباسه من مكتشف أميركا كريستوفر كولومبس لم يكن دقيقا(الواقع كان مزورا لأسباب عنصرية) لأنه لم يرجع لمذكرات كولومبس واكتفى بنص عثر عليه في محرك البحث "غوغل". النص رسالة من كولومبس إلى الملك يصف فيها المسلمين واليهود بأوصاف عنصرية، فحذف الكاتب المغوغل اليهود وابقى المسلمين، أو كما ادعى النص كان مزورا من دار أهله!

كاتب تقرأ له الملايين يزور أو ينقل مادة مزورة، ولا يزال يطل على قرائه بكل ثقة! من يقرأ مقاله الأخير يدرك أن الرجل ليس "مسطحا" بقدر ما هو سطحي، يتناول ما يصادفه ويوافق أيديولوجيته العنصرية المغلقة ويخرج بأحكام ظالمة تمس المليار مسلم –باستثناء شيعة العراق(الاستثناء لا يشمل شيعة إيران ولبنان )- طبعا التعاطف مع شيعة العراق ليس لأنه ضليع في الفكر الشيعي العراقي، بل لأن قادتهم البارزين حالفوا أميركا في حربها على العراق، وهو بقدر ما يكيل الشتائم إلى حزب الله وملالي طهران يكيل المديح للحلفاء في العراق إلى درجة دعوته إلى منح السيستاني جائزة نوبل.

في آخر سطحياته يخرح الكاتب بنظرية أن المسلمين غير قابلين للتحضر! مستشهدا بكتاب لمؤلف على شاكلته يقارن بين تحضر ألمانيا واليابان عقب الحرب العالمية الثانية، وانفلاش العراق بعد الحرب الأميركية الأخيرة. يقول فريدمان:"في كتابه الجديد "الحقيقة الليبرالية المركزية"، يشير المؤلف لورنس هاريسون إلى أن بعض الحضارات ذات "نزعة صوب التقدم" وأخرى "ذات نزعة مقاومة" للتقدم. وفي العالم العربي-المسلم اليوم تشكل قوى معارضة التقدم حالة قوية جدا، خصوصا في العراق، ولهذا السبب سيكون صعبا بناء مؤسسات ديمقراطية قوية فيه حسبما يقول هاريسون.

كتب هاريسون:"قد يعود البعض إلى نجاحنا في فرض الديمقراطية على ألمانيا الغربية واليابان بعد الحرب العالمية الثانية. لكن الشعبين اللذين فرضت الديمقراطية عليهما يتمتعان بدرجة من التعليم مع مجتمعات مؤسساتية موحدة وكلاهما يمتلكان تقاليد قوية في التعاون بين أبنائهما، وهذا ما نشير إليه بالرأسمال الاجتماعي. كان الرأسمال الاجتماعي في العراق ضعيفا وهو الآن على حافة الإفلاس".

وينتهي إلى القول:"على العالم المسلم السني أن يشعر بالخجل للبربرية التي تم التسامح معها ودعمها ضمنا من قبل سنّة العراق، الذين كان العنف من البداية بالنسبة لهم ذا هدف واحد: يجب إفشال الجهود الأميركية في جلب سياسة أكثر تقدما أو النظام الديمقراطي إلى هذه المنطقة. يجب أن تفشل أميركا بغض النظر عن عدد العراقيين الذين سيقتَلون.

وهذا ما تركنا أمام خيارات مستحيلة. وإذا لم نكن على استعداد للقيام بما هو ضروري لسحق قوى الظلام في العراق وإعادة بنائه بطريقة صحيحة، فإننا نكون بحاجة إلى تركه لأننا لا نستطيع الاستمرار في التعثر على طول الطريق، فيما سيعني ذلك فقط أننا سنظل نرمي بجنودنا إلى العدم، ونظل نحن نملأ حفرة تزداد عمقا يوما بعد يوم بقطع خزف متكسر".

ليس كل ما يقوله الكاتبان خطأ، لكنهما ينطلقان من عقدة تفوق وغطرسة، فالتقدم هو ما أنجزته الحضارة الغربية في آخر القرن، ومن دخل ناديها فهو متحضر دائما وأبدا ومن تأخر عن دخوله فهو متخلف دائما وأبدا. وحول ذلك سجال مديد. لكن باختصار، وعودة إلى كولومبس كانت الحضارة العربية الإسلامية لا تستوعب المذاهب الفكرية الإسلامية فقط بل تعايش فيها المسيحيون واليهود، وفيها بعثت اللغة العبرية من جديد وغدا اليهود يتبوؤون فيها أرفع المواقع السياسية والثقافية. وعندما جاء الإسبان حطموا ببربيتهم التي عبرت عنها محاكم التفتيش حضارة التعايش والرفاه والتقدم، وما ثقافة الإبادة التي قدمها كولومبس للعالم الجديد التي عبر عنها في مذكراته غير امتداد لتلك البربرية. 

إمعانا في السطحية عمى أو تعام لا يذكر فريدمان شيئا عن حضارة ما بين النهرين ولا عن خلافة بني العباس وما قدمته للبشرية. فالحضارة تراكم وليست ضربة على محرك بحث غوغل، لولا الخوارزمي، وإليه تنسب اللوغرتيمات(الخوارزميات) ما كان الحاسوب ولا ما تناسل منه من شبكة عنكبوتية ومحركات بحث تمكن كاتبا جاهلا مغرورا من إطلاق الأحكام الجاهزة على حضارة ضاربة في جذور الزمن.

بعيدا عن الحضارة والثقافة والتاريخ، ماذا عن البربرية التي مارسها مواطنو فريدمان في العراق. ملايين البشر التي قضت وتشوهت وجاعت في الحصار المديد لا أحد يعتذر لهم. فرق الموت التي يقودها حلفاء أميركا اليوم من سلحها ودربها وأطلقها على الناس؟ من تسامح مع قتل الشيعة في العراق؟ من أيد قتلهم؟ لا أعرف كاتبا في العالم العربي والإسلامي فعلها، والكل حتى من يؤيدون القاعدة يرفضون قتل الشيعة ويدينونه.

توجد مشاكل إثنية ومذهبية في العالم العربي والإسلامي لكنها لم تصل إلى مستوى ما فعلته "الحضارة الغربية" في الهولوكوست. المنتج الألماني ذي الرأس مال الاجتماعي!

بقي أن يتذكر فريدمان أن مقالته تترجم وتنشر في الصحافة العربية بكل ما فيها من بذاءة وفوقية، وهذا يسجل للصحافة العربية، لكن ماذا ينشر في صحافة بلاده لكتاب عرب ومسلمين؟ باستثناء فؤاد عجمي ومن تابعه في تبعيته قل أن يقرأ الأميركي لكاتب عربي أو مسلم، وهذا من مظاهر التعددية والانفتاح والعولمة، باتجاه واحد.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »زدني.. (ابوالبراء)

    السبت 2 كانون الأول / ديسمبر 2006.
    مالي لا ارى هؤلا القوم
    لا يكادون يفقهون حديثا
    افي شك انت يابوهلاله
    من سطحية وهمجية هؤلا القوم ؟..
  • »ابدعت (نادر)

    السبت 2 كانون الأول / ديسمبر 2006.
    باختصار شديد....لخصت وشخصت يا استاذ ياسر؛ انحياز الصحافة الغربية ضدنا ؛وبأسلوب رائع وحرفية عالية.....ياريت يسمعك كتاب و صحفي الغرب .....شكرا جزيلا