كوب تذكاري

تم نشره في الأربعاء 29 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 03:00 صباحاً

قبل عشر سنوات كنت في الولايات المتحدة مع مجموعة من العرب في زيارة تحت عنوان "دور الدين في المجتمع الاميركي"، وكان هدف الجهات الرسمية ان تقنع الضيوف ان للدين دورا هاما، وأنّ المجتمع الاميركي لديه قطاعات متدينة محافظة سواء كانوا مسلمين او مسيحيين او يهودا.

وخلال تلك الزيارة زرنا احد السجون الفديرالية التابعة لوزارة العدل، وسمعنا ورأينا سجناء ومسؤولين تحدثوا عن الدين داخل السجون، وبعد الزيارة قدم اهل السجن لكل عضو من الوفد كوبا او كما يسمى اليوم "mug" يحمل شعار الجهة الرسمية ليكون هدية تذكارية، وهو ما dزال لدي حتى الان، ولعلها من الاقدار الحسنة والجميلة ان عمليات "التعزيل" في البيت اخرجت هذا الكوب التذكاري هذه الايام التي نتناول فيها يوميا وجبات دائمة من الفعل الاميركي في حياتنا عربا ومسلمين.

الكوب dحمل عبارة جميلة تقول: "The Right People Doing The Right Thing" اي الاشخاص الجيدون او السليمون او المستقيمون يفعلون الاشياء السليمة او المستقيمة، وهي حكمة جميلة ورائعة، فمن لديه مضمون جيد ومنطلقات سليمة ونوايا حسنة فانه يفعل الاشياء الصحيحة، وهذا الامر لا ينطبق على السجناء فقط، بل على الجميع بمن فيهم الادارة الاميركية.

وربما على هذه الادارة ان تقوم نفسها، وفق قاعدة الكوب التذكاري؛ فالجيد من الافعال هو ما نفعله، ولكن وفق معايير القيم والاخلاق والعدل وعدم ايقاع الضرر بالناس، وهذا ما لا يلمسه العالم من السياسة الاميركية، بل ان ذات الادارة تدفع احيانا ثمن افعالها السيئة عبر صناديق الانتخابات التي تأتي بخصوصها، او استطلاعات الرأي التي تهبط بشعبيتها، والاهم هي حالة العداء الشعبي للسياسة الاميركية التي تجتاح كثيرا من الدول والقارات، والتي تدفع الادارة  منذ سنوات الى البحث عن وسائل لتحسين صورتها دون ان تنجح.

لا تحتاج شعوبنا الى أدلة تثبت ان رجالات السياسة الاميركية ليسوا ممن تحدثت عنهم حكمة الكوب. لكن على الاميركيين ان يقتنعوا بذلك. فمن يمارس الاحتلال ويفكك الدول ويفتح ابواب الموت على الناس كما في العراق، لا يفعل عملا جيدا، بل كان اشبه بالقاتل المأجور لشركات البترول والسلاح او حتى للقوى المتصهينة، التي تعمل تحت اسم المحافظين الجدد.

ومن يقف بشكل مطلق مع الاحتلال الصهيوني ويعارض حتى ادانة شكلية دولية لجرائمه ليس من الناس الجيدين، بل شريك في الظلم والاحتلال، وحتى السلام والتفاوض الذي تتبناه اميركا فانه يأتي منقوصا وفق مواصفات اسرائيلية ولا يحمل اكثر من حلول للمشكلة الاسرائيلية وليس للقضية الفلسطينية.

وها هي القضية العراقية التي تديرها اميركا بشكل متفرد تتحول الى مأزق للادارة، وإلى تجربة ستدخل التاريخ في هيمنة الحقد على السياسة على حساب دول عربية وشعب مظلوم دفع حتى الان اكثر من نصف مليون قتيل ثمنا لها، او على الاقل اكثر من (150) الف عراقي، وفق تقديرات وزارة الصحة العراقية، وما يوازي الفظاعة في القتل والموت ان هذه الادارة حولت العراق الى جحيم لأهله وحتى لحكومته المسجونة عمليا في المنطقة الخضراء، وحتى عندما يتفقد بوش او اي من المسؤولين جنودهم هناك فالزيارة سرية وفي القواعد العسكرية. فاذا كان المحتل الذي له اكثر من (120) الف جندي يخاف عندما يذهب الى العراق؛ فكيف بالمواطن العراقي الذي اصبح هدفا لحرب مجنونة يختلط فيها الاجرام بالطائفية وخلط الاوراق؟!

فقط الجيدون من البشر يفعلون الاشياء الجيدة، ولهذا فهذه الادارة تمثل جانب الشر في حياة ومسار أمم ودول وشعوب، والاخطر ان يمارس الاشرار افعالهم وهم يعتقدون انهم يتبعون تعاليم الله تعالى او يحققون رسالة سماوية، وما تتركه السياسة الاميركية في حياة شعوب كثيرة جيوش احتلال تذكارية، ومئات الآلاف من الضحايا كل منهم يمثل ذكرى أليمة لكل من يشاهد او يسمع.

sameeh.almaitah@alghad.jo

التعليق