منطق المقاومة الفلسطينية

تم نشره في الاثنين 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 03:00 صباحاً

أُعلن صباح أمس الأحد، وقف لإطلاق النار بين إسرائيل والفلسطينيين، وكان من المفترض ان يدخل الاتفاق إلى حيز التنفيذ في السادسة صباحا، وفي الساحة الفلسطينية، وكما ظهر، فإن الاتفاق شمل الفصائل الفلسطينية، التي لديها أذرع مسلحة، ومنها فتح وحماس.

ولكن رغم الإعلان استمر إطلاق القذائف الفلسطينية باتجاه مواقع إسرائيلية، خارج قطاع غزة، وعدة ساعات بعد الساعة المقررة، والأمل هو ان تتجلى هيبة القرار الفلسطيني الموحد لاحقا، ووضع حد لظاهرة فوضى السلاح، وان لا تظهر مجموعات صغيرة، منفلتة، تفرض أجندتها على ملايين الشعب الفلسطيني.

وعلى ما يبدو، من أجل عدم التأويل لما سيتبع، هناك ضرورة لتكرار تلك اللازمة القائلة، "إن لكل شعب يقع تحت الاحتلال الحق في مقاومته بالطرق التي يراها مناسبة"، وهذا صحيح للشعب الفلسطيني، ولكن المقاومة متعددة الأشكال، بدءا من الانتفاضة الشعبية مرورا بالكفاح المسلح وحتى طاولة المفاوضات، وعلى كل شعب ان يلائم شكل مقاومته مع طبيعة المرحلة، بشرط ان تكون وسيلة المقاومة هي تلك التي تقرب الهدف ولا تبعده.

ولكن للأسف فإنه في الساحة الفلسطينية، بخاصة في السنوات الأخيرة، تحولت ظاهرة فوضى السلاح إلى حربة مرتدة ضد جماهير الشعب الفلسطيني، أكثر مما حققته ضد المحتل الوحشي، وهي لم تحقق شيئا ضد الاحتلال. وهذه قضية يجب عدم التستر عليها، وهناك ضرورة للمجاهرة بها، لأنها تؤذي الشعب وتحيّده عن دائرة النضال الشعبي، هذا النضال الضروري لمواجهة المحتل، وليس سرا ان المجموعات المسلحة المفلتة في الشارع الفلسطيني، وتطلق النار في الهواء وغيره وكيفما تشاء، تدب الرعب في نفوس أبناء الشعب، الذين كثيرون منهم يخافون على تجول أبنائهم في الشارع.

وفي المقابل فإن الاحتلال الإسرائيلي بعقليته الإجرامية يشعر بانفراج حين تستفحل هذه الظاهرة، لأنها دعوة مباشرة له ليقتل أكثر، رغم انه لا يحتاج لمثل هذه الدعوات، ولكن على الأقل أمام الرأي العام العالمي، فإنه يجعل هذه الظاهرة ذريعة له.

في وضع متفجر، كما هو الحال على الساحة الفلسطينية الإسرائيلية، فإنه لا يمكن معرفة تطورات الأمور من ساعة إلى أخرى، ولكن الوضع كان خطيرا حتى أمس، حينما قررت مجموعات صغيرة، ولربما الحديث عن بضعة أفراد, ان تخرق قرار وقف إطلاق النار، بقرار ذاتي، متجاهلة قرار القوى المركزية، والأكثر خطورة هو أن البيانات الصادرة موقعة بأسماء أذرع عسكرية تابعة لفصائل مركزية.

وما هو اشد خطورة من كل هذا هو أن إسرائيل معنية جدا بتسجيل نقاط لصالحها، حينما قبلت بوقف إطلاق النار دون شرط، ثم أطلق رئيس حكومتها إيهود أولمرت تصريحات، بعد استمرار سقوط القذائف، دعا فيها إلى إعطاء وقف إطلاق النار فرصة حتى يثبت، فهذه أيضا محاولة لتسجيل نقاط إضافية لصالح إسرائيل، وعلى ما يبدو فهي تعتقد أو تتمنى ان يستمر بعض الأفراد الفلسطينيين في إطلاق القذائف، لتكون الذريعة كبيرة لشن هجوم عسكري كبير على قطاع غزة.

هناك فرصة، لا أعتقد ان إسرائيل ستكون سعيدة بها، للانتقال إلى فترة هدوء، تفسح المجال أمام العودة إلى طاولة المفاوضات، أو لنقل فسح المجال للضغط على إسرائيل للعودة إلى طاولة المفاوضات. معروف ان إسرائيل بحكومتها الحالية، ليست معنية باستئناف المفاوضات، لأن ليس في جعبتها ما تطرحه على طاولة المفاوضات، وهي ترى نفسها ضعيفة في مفاوضات كهذه لأنها ستكشف عن حقيقة مخططاتها الاحتلالية، وتكون عرضة لضغوط دولية تدفعها باتجاه آخر.

إن الرد السهل على هذا هو نشر أجواء الإحباط واليأس في الشارع الفلسطيني، والقول أن لا أمل من مفاوضات كهذه، ولكن من يعتقد ان القذائف التي تنطلق من قطاع غزة هي التي ستجعل إسرائيل تركع وتقرر الانسحاب فمن الأفضل ان يعيد حساباته.

إن إسرائيل معنية بتضخيم قضية إطلاق القذائف الفلسطينية، لتكون ذريعة لها في تنفيذ جرائمها المستمرة ضد الشعب الفلسطيني، والابتعاد عن طاولة المفاوضات، ويظهر في إسرائيل من يدعي ان القذائف "هي خطر استراتيجي" على إسرائيل، إلا أن كبير مستشاري رئيس الحكومة حتى قبل فترة قصيرة، المحامي دوف فايسغلاس، قال بوضوح، "إن بعض الخردوات المعدنية لن تهدد كيان إسرائيل".

أكانت خردوات أم لم تكن تلك القذائف، فإن مصلحة الشعب الفلسطيني، ومصلحة المقاومة الحقيقية ضد المحتل، ليس ضد أنفسنا في شارعنا الفلسطيني، تتطلب فحصا معمقا في جدوى تلك الأنابيب المعدنية، المحشوة ببضع المواد المفتجرة ومدى قدرتها على خدمة الهدف، وأيضا إجراء حسابات الربح والخسارة.

إن كنت تواقا لشيء، فإنني تواق لانتفاضة الحجارة من أيدي الأطفال، التي هزت العالم، وأركعت إسرائيل ولو لسنوات.

صحافي وكاتب سياسي- الناصرة

bjaraisi@yahoo.com

التعليق