منار الرشواني

بالنصر لا بالعدوان!

تم نشره في الاثنين 27 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 02:00 صباحاً

كما يبدو واضحاً من ملابسات جريمة اغتيال وزير الصناعة اللبناني، بيار الجميّل، وطريقة تنفيذها؛ كان القتلة قد اتخذوا قبل مدة كافية كل الاستعدادات اللازمة لاقتراف الجريمة، ولم يكن ينقصهم إلا تلقي أمر التنفيذ.

لكن هذا الأمر كان يحتاج بدوره إلى الظرف المناسب لكي تُحقّق الجريمة مآربها، أو على الأقل للتعمية على مقترفيها! وما لم يعد تنبؤاً عبقرياً، هو أن الظرف المنتظر كان مع إيصال لبنان إلى حافة الهاوية السياسية، المفتوحة على كل الاحتمالات، بعد استقالة الوزراء الشيعة، والأهم إعلان الأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله، نيته إنزال أنصاره وأنصار حلفائه إلى الشارع لإسقاط حكومة "السفير الأميركي"، لأنها لم تعطه وحلفاءه الثلث المعطل، رغم أنها كانت حكومة وطنية إلى ما قبل أيام!

القضية ليس اتهام هذا الطرف أو ذاك بجريمة اغتيال الجميّل، فالجميع ومن دون استثناء يستطيع إثبات الضرر، كما يمكن اتهام الجميع بالاستفادة! أما الجوهر، فهو النتائج الحتمية التي تنبئ بها هذه الجريمة في حال الاستمرار بسياسة حافة الهاوية التي يأخذ حزب الله لبنان إليها، ويبدو مُصرّاً على المضي بها إلى النهاية، كما يظهر من التزام الصمت بعد جريمة الاغتيال الأخيرة وعدم التراجع عن تهديد نصرالله النزول إلى الشارع لإسقاط الحكومة!

ولعل أول اسباب إصرار حزب الله على سياسة حافة الهاوية، رغم كل ما يعيش لبنان، هو التأكيد على أن الحزب غير ضالع من قريب أو بعيد، مباشرة أو بالتواطؤ، في جريمة اغتيال بيار الجميّل، فلا داعي لتغيير الخطط المعدة سلفاً، وإلا عد التغيير خوفاً أو ما هو أكثر من ذلك.

أما السبب الثاني، وبغض النظر على المؤشرات السابقة، فهو ثقة حسن نصرالله أن أنصاره عندما يتحركون فإنهم لن يُستدرجوا إلى مواجهة قد لا تنتهي إلا بصراع طائفي أو حرب أهلية، مع أن سر هذه الثقة غير معروف، بل إن الواقع ينبئ بغير ذلك!

فقبل أشهر، كان عرض مشهد ساخر جُسّد فيه شخص نصرالله، في أحد البرامج الكوميدية اللبنانية (أسوة بكثير غيره من الزعامات والسياسيين اللبنانيين) كفيلاً بإنزال عدد من أنصار الحزب إلى الشوارع ليحرقوا الإطارات ويدمروا ممتلكات تعهد الحزب بالتعويض عنها! كما أن أنصار الحزب نفسه استفزتهم -رغم أن المفروض هو أنهم معصومون عن الاستفزاز- رؤية التجمع السلمي الذي تلا يوم دفن الجميّل الابن، ولم يردعهم إلا طلب نصرالله التراجع!

إلى الآن، يبدو أن السيد نصرالله يدرك هذه الحقائق والمخاوف، وهو لذلك ينتهج أسلوب الخطوة-الخطوة لإخضاع الحكومة اللبنانية، أو بعبارة أخرى أسلوب "عضّ الأصابع" من خلال المراهنة على أن تكون مخاوف الحكومة أكثر من مخاوفه، ومجازفتها أقل من مجازفته، لا سيما وأن حزب الله يملك موارد بشرية ومادية وعسكرية تفوق ما لدى خصومه مجتمعين، كما تفوق إمكانات جيوش في المنطقة.

لكن في انتظار أن يصرخ أحد الطرفين قبل قطع إصبعه، معلنا رضوخه للطرف الآخر، هناك من يستغل هذا الوضع للإجهاز على نخب لبنانية، سياسية وإعلامية، وربما اقتصادية واجتماعية ودينية لاحقا، ما يجعل منطقيا -من دون أي حاجة إلى دلائل- توقع حدوث اغتيالات بين أعضاء مجلس النواب اللبناني، كما الوزراء، فالظرف مثالي بحق للإجرام والفتنة!

لا أحد يتهم حزب الله، لا لانعدام الدليل فحسب بل استناداً إلى حكمة وحنكة ميزت الحزب وقيادته لمدة طويل، مع ذلك يظل الأسوأ في حال مجاراة السيد نصرالله وحزبه بأن المستفيد من كل الفتنة في لبنان، بدءاً من اغتيال الرئيس رفيق الحريري، هو إسرائيل! ذلك أن اغتيال الوزير الجميّل كان في زمن جني ثمار "النصر" المفترض على العدو، فهل يتحقق لإسرائيل بنصرنا ما لم يتحقق لها بعدوانها؟! سؤال ينتظر إجابة من الطرف المعني، حزب الله وحلفائه.

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق