أوباش الرأسمالية

تم نشره في الجمعة 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 02:00 صباحاً

 

إن المفاجآت الأخيرة التي كشفت لنا عن العديد من مديري الشركات الذين سجلوا خيارات أسهم شركاتهم بتواريخ سابقة، لضمان الحصول على تعويضات وفيرة حتى ولو كان أداء شركاتهم سيئاً، ليست سوى آخر الحلقات في سلسلة متواصلة من نماذج السلوكيات التجارية الرديئة. وفي هذا العصر حيث تبخرت رواتب التقاعد والمكافآت التي كان يحصل عليها عامة الموظفين، أصبحت الدخول المترفة التي يحصل عليها كبار المديرين مثاراً للتعجب والتساؤل بين عامة الناس: ما الخطأ الذي دفع العمل التجاري إلى هذا التردي؟

قد تكون الإجابة بسيطة للغاية: لقد تخلى العديد من كبار المديرين عن القيم الإنسانية الأساسية واعتنقوا العقيدة الشهيرة التي عبر عنها جوردون جيكو في فيلم "ووال ستريت"، والتي تتلخص في أن "الجشع أمر طيب".

إلا أن قسماً متزايد النمو من الأبحاث يستنتج أن الجشع ليس أمراً طيباً على الدوام، وأن القيم الأخلاقية تشكل عنصراً ضرورياً لإدارة العمل. إن أمثال جوردون جيكو أشبه بالحيوانات الضارية التي تبحث عن صيد سريع سهل. وعلى الرغم من أن وجود مثل هذا النوع من الناس يخدم غرضاً مفيداً، حيث يضطر بقية اللاعبين إلى اليقظة الدائمة والاستعداد للحركة السريعة، الأمر الذي يرفع من الكفاءة بسبب المنافسة، إلا أن المتعاملين في الأسواق يتجنبونهم في أكثر الأحوال، ويفضلون التعامل مع أمثال وارين بافيت ـ رجال الأعمال المتشددين الصارمين، ولكن المعروفين باللعب النزيه وتأسيس القيمة الراسخة طويلة الأمد.

ولنضرب هنا مثلاً بالذهاب إلى المركز التجاري، حيث يشتري المترددون على المتاجر سلعاً منتجة في جميع أنحاء العالم ومشحونة إليهم. فهناك يعتمد تسليم هذه السلع بصورة غير مركزية على موظفين يعملون لمدة أسبوعين قبل أن يتسلموا أجورهم، وشركات تتعامل كل منها مع الأخرى وفقاً لأشكال مختلفة من الائتمان، وبنوك تعرض قروضاً تمويلية مؤقتة. وعلى الرغم من أن البشر يمارسون مثل هذا النوع من التبادل من قبل نشوء الحضارات، إلا أن النظام الموضوعي المجرد من المشاعر الشخصية في التعاملات التجارية لم ينشأ إلا منذ حوالي الألف عام. وبينما تتوفر العلاجات القانونية في حالة إخفاق هذا النظام، فإن النظام التجاري المجرد من المشاعر الشخصية ليس من الممكن أن يكتب له النجاح والبقاء إلا إذا تقاسم أكثر الناس قيم اللعب النزيه والتعاون المتبادل.

وحتى في مجال التعاملات السوقية المجردة من المشاعر الشخصية، فلا نملك إلا أن نضفي الطابع الشخصي على الصفقات، على سبيل المثال، مع محصل متجر البقالة الذي يبتسم ويشكرنا، أو موظف الاستقبال الذي يتلخص همه الأوحد في إشعارنا بأننا موضع ترحيب واهتمام. وهذا النوع من إضفاء الطابع الشخصي يستحث مناطق من المخ بدأت في التطور منذ كان شركاؤنا في التجارة أفرادا في مجموعات صغيرة تربطها صلة القرابة، حيث كان التعرف على المخالفات الأخلاقية وعلاجها يتم على نحو فوري ومباشر.

في بحث أجري بواسطة سارة بروسنان وفرانس دي وال في جامعة إيموري تبين أن القرود أيضاً لديها ما يبدو وكأنه نوع من القيم الأخلاقية. فحين يعمل اثنان من القرود معاً بحثاً عن الطعام، فمن المتوقع أن يتقاسما ما يجداه من الطعام بالتساوي. وإذا لم يحصل أحد الطرفين على نصيب متساوٍ فإن هذا يتسبب في إطلاق صرخات الغضب والاحتجاج من جانب الشريك المظلوم.

ولسوف نجد للقيم الأخلاقية دلائل نفسية قوية لدى البشر أيضاً، ونحن نستشعر هذه القيم بقوة حين تنتهك. ولقد أكد الفيلسوف جوش جرين وزملاؤه في جامعة برينستون أننا نستخدم مشاعرنا وليس إدراكنا الأعلى حين نواجه معضلة أخلاقية شخصية (على سبيل المثال، ما إذا كان من الجائز أن نقتل شخصاً واحداً في سبيل إنقاذ سبعة آخرين)، وهو ما يتناقض تماماً مع زعم العديد من الفلاسفة. والحقيقة أن الجانب الشخصي في مثل هذه القرارات يجعل نبضنا يتسارع وأكفنا تتعرق.

ولقد تبين لنا من خلال تجارب الاقتصاد النفسي العصبي التي أجراها مختبري، أن أدمغتنا تطلق هرموناً ثديياً قديماً يدعى أوكسيتوسين ( oxytocin ) حين نضع ثقتنا في شخص غريب فنتخذ قراراً مدروساً باستثمار قدر من النقود قد يُـرَد إلينا أو قد يُـسْـرَق. وهرمون الأوكسيتوسين هو الذي يربط بين الثدييات ونسلها، وهو الذي يدفع كلاً من الزوجين أو الرفيقين في المجتمع البشري إلى حب الآخر ورعايته.

ولقد تبين لنا أن الثقة تتسبب في ارتفاع معدلات إفراز هرمون الأوكسيتوسين على نحو ملحوظ وتحث على المشاركة ـ أي تقاسم المال. إن الإنسان بطبيعته ميال إلى المشاركة والتعاون، ونحن نجد في هذا نوعاً من الإرضاء والإشباع، تماماً كما يجد المخ في تناول وجبة طيبة من الطعام أو ممارسة الجنس شكلاً من أشكال الإشباع.

ينشط هرمون الأوكسيتوسين في المناطق النشوئية القديمة من أمخاخنا، التي تقع خارج نطاق إدراكنا الواعي. فنحن ببساطة نستشعر أن مشاركة شخص ما وضع ثقته فينا هي التصرف الصواب.

كما اكتشفنا أن حوالي 2% من الأشخاص الذين خضعوا للدراسة ممن لم يتلقوا تعليماً جامعياً، محرومون من أي حس تعاوني. وحين تسنح الفرصة لمثل هؤلاء الأشخاص لتقاسم المال مع شخص غريب وضع ثقته فيهم، فإنهم يبادرون إلى الاحتفاظ بكل المال بدلاً من تقاسم المكاسب. ونحن في مختبرنا نستخدم مصطلحاً فنياً لوصف هؤلاء الأشخاص: وهو "الأوباش".

تشير الأدلة التي توفرت لدينا أن أمخاخ "الأوباش" تعمل على نحو مختلف. وسماتهم الشخصية تشبه نظيراتها لدى المرضى المصابين بخلل كراهية المجتمع. فهم ببساطة لا يهتمون بالآخرين كما يفعل أكثر الناس، ويبدو أن السبب وراء هذا يكمن في عجز أمخاخهم عن التعامل مع هرمون الأوكسيتوسين. ولأن "الأوباش" متواجدون بيننا فإننا لا نزال في حاجة إلى فرض قواعد التبادل الاقتصادي على المستويين الحكومي والشخصي.

إلا أن المبالغة في فرض التنظيمات الحكومية قد تؤدي إلى "مزاحمة" السلوك الأخلاقي. فحين يكون لكل جريمة عقوبة مرتبطة بها، يكف الناس عن النظر إلى الانتهاكات باعتبارها مخالفات أخلاقية، فتتحول ببساطة إلى مجرد وسيلة يحاول بها الآثمون "استغلال النظام" على نحو فعّال بينما يتحملون بعض المجازفة المتمثلة في احتمال ضبطهم وإجبارهم على دفع غرامة.

إن مثل هذه العقوبات الخارجية قد تحل محل العقوبة الأخلاقية الداخلية التي نستشعرها حين نرتكب خطأ أو إثما ما. وفي إينرون توصلنا إلى هذا عن طريق تقسيم المهام إلى مجموعات صغيرة بحيث لا يصبح شخصاً واحداً مسؤولاً مسؤولية مطلقة عن اتخاذ أي قرار، الأمر الذي يعني أنه لا يستطيع أن يدعي الجهل حين يضبط. وكان جيفري ك. سكيلنج رئيس شركة إينرون السابق قد برر سلوكه في محاكمته بأن قال: "أنا لست خبيراً في المحاسبة".

يرى العديد من الناس عن اقتناع أن التبادل في الأسواق يحط من إنسانيتنا. ولنتذكر فيلم شارلي شابلن "العصور الحديثة"، حيث تتحول المتشردة الصغيرة فعلياً إلى ترس في الآلة الرأسمالية. إلا أن هذه النظرة، المتخلفة عن التفكير الماركسي، تجانب الصواب. والأمر على العكس من ذلك تماماً، فالعمل الجماعي، والتبادل فيما بيننا في الأسواق، يجسدان فضيلة عاملة كبيرة الأثر.

بول جيه. زاك زميل معهد جروتر ومدير مركز دراسات الاقتصاد النفسي العصبي التابع لجامعة كليرمونت، وهو محرر كتاب "الأسواق الأخلاقية: الدور الحرج الذي تلعبه القيم في الاقتصاد".

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق