د.باسم الطويسي

خارطة الحكماء الجدد

تم نشره في الجمعة 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 03:00 صباحاً

 

بانتظار تقرير"مجموعة دراسة العراق" التي أطلق عليها الرئيس الأميركي مسمى لجنة الحكماء، ويرأسها وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر وعضو الكونجرس السابق والخبير السياسي المعروف لي هاملتون؛ تبدأ السياسة الخارجية الاميركية في الشرق الأوسط بتلمس ملامح (خارطة الحكماء) الجدد بالتزامن مع تراجع مكانة المحافظين الجدد ودورهم، وهي بالتأكيد مرحلة جديدة قادمة ليس من المفترض ان تتفق مع نبوءات "ريتشارد هاس" التي نشرها مؤخراً في مجلة "الشؤون الخارجية" وتوقع فيها نهاية الحقبة الاميركية في المنطقة.

من المتوقع ان يعلن تقرير "لجنة الحكماء" في اوائل شهر كانون الأول القادم وبه ملامح خارطة الطريق الجديدة للسياسة الخارجية الاميركية، وتتضمن تجاوزا تدريجيا لسلسلة الأفكار التي طرحتها مراكز المحافظين الجدد، والتي تبلورت في أصولها الفكرية في مشروع القرن الأميركي الجديد الذي بدأ في الشرق الأوسط، ولا يعني ذلك إصدار حكم الموت عليها، بل تجاوزها لصالح أهداف "الاستراتيجية العليا الاميركية" التي تقدم المصالح الاميركية الاستراتيجية والمنظورة على أي إطار أو منافع إيديولوجية، وهنا تبدو مدرسة الواقعية السياسية جاهزة لملء الفراغ في السياسة الخارجية، وعودة هذه المدرسة واضحة فيما يعول على توصيات لجنة (بيكر- هاملتون)، وتبدو في عودة صوت "هنري كيسنجر" يتردد بقوة في ملفات الشرق الأوسط وغيرها، وهو أحد آباء المدرسة الواقعية المدافعين عنها.

تدور "خارطة الحكماء" الجدد على جملة أفكار تم تسريب بعضها، ويتردد انها لا تتوقف على الوضع في العراق، بل تنال ملفات اخرى في الشرق الأوسط، وأهمها التخلي عن أفكار عزل الأنظمة والكف عن قطع الاتصالات مع الدول غير الصديقة، والمقصود سورية وإيران، وتأكيد وحدة العراق ورفض أفكار التقسيم والضغط على الحكومة العراقية من اجل التعامل الصارم مع الميليشيات والجماعات المسلحة والدفع نحو المزيد من المشاركة الدولية للمساهمة في حل الوضع الصعب في العراق، كما ترددت معلومات بان إعمال اللجنة شملت النظر في العلاقات الاميركية- الإسرائيلية في ضوء المتغيرات الإقليمية ومراجعة "الحرب على الإرهاب".

مع انفضاض المحافظين الجدد من حول الرئيس الأميركي، ليس من الحكمة النظر إلى انهم صفحة وتكاد تطوى في تاريخ السياسة الاميركية، بل ان ثمة مصالح أميركية تحققت أثناء هذه الحقبة، ولا بد ان يتم المحافظة عليها من منظور الاستراتيجية العليا الاميركية، وان أصبح المحافظون الجدد عبئا عليها، وهذا احد الدروس التي يجب ان تدرك جيداً في العالم العربي، والعناوين الرئيسية في هذا الدرس ان الواقعية السياسية الاميركية لن تأتي بحكمة جديدة للشرق الأوسط ان لم تنبع هذه الحكمة من المنطقة نفسها، وان السياسية الخارجية للدولة العظمى لن تتخلى عن الإنجازات التي حققتها بسهولة في المنطقة بغض النظر عن التقييم الموضوعي لها.

المشكلة الحقيقية ان تطورات السياسة الخارجية الاميركية في المنطقة تقاس في العالم العربي في هذا الوقت على مسطرة المحاور السائدة، أي المعادلة الصفرية بين هؤلاء وأولئك، وهو الأمر الذي قد لا تقصده هذه التحولات، بقدر ما تعني بداية اصطفافات جديدة من جهة، وإعادة خلط الأوراق من جهة اخرى، ومن هذه الزاوية يمكن فهم وجود وزير الخارجية السوري في بغداد الأسبوع الماضي والرئيس الأميركي في عمان نهاية الأسبوع القادم.

لقد بقيت علاقات الولايات المتحدة بالشرق الأوسط طوال العقود الماضية محكومة بعدة مداخل أهمها المدخل الإسرائيلي وما يرتبط به من عواطف ومصالح، ومدخل الفهم وما يرتبط به من غياب الفهم المتبادل بين أطراف هذه العلاقات، والمدخل الأخير هو فرضية اللعبة السياسية أو استمرار الصراع وما يرتبط به من مصالح ومنافع خالصة للطرف الأقوى، وهو المدخل الحقيقي لفهم هذه السياسة؛ حيث بقيت الولايات المتحدة تدير الصراع دون ان تفرض إرادة التغيير التي تملك القدرة على فرضها، بمعنى استمرارية الأمر الواقع, وسيبقى أي افترض يحتمل تغيرات قادمة في السياسة الخارجية الاميركية لا يضع في عين الاعتبار تغيير مدخل ادارة الصراع في المقدمة يقع في دائرة تبسيط الأمور.

basimtwissi@hotmail.com

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الحكماء (محمود)

    الأحد 26 تشرين الثاني / نوفمبر 2006.
    نرى من خلال هذه المقالة بان علاقات الولايات المتحدة بالشرق الأوسط محكومة بمدخل رئيسي ومهم وهوالمصلحة والمنفعة .
    والاستيلاء على ثروات العرب .

    اما الكاتب فنرى فيه النظرة العميقة للواقع السياسي
    فنشكره ونشكر جريدة الغد المتميزة
  • »لا بل حكماء (موسى النوافله)

    الأحد 26 تشرين الثاني / نوفمبر 2006.
    اشكر الاستاذ باسم على مقالاته التي تعالج القضاياوالواقع الراهن.

    أن امريكا يا سيدي تخطط لأجيال قادمة ولا يمكن ات تترك عملية التخطيط لظروف المرحلة التي تعيشها، وهي تريد ان تسيطر على العالم من خلال خلق الصراعات وبؤر الفتن والتوتر وترك المناطق الساخنة تحت مراقبتهادون تغيير اي وقائع على الارض، اضف الى ذلك نهب خيرات ومقدرات الشعوب باسم الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان!!

    ان وثيقة بيكر وهاملتون ما هي الا وثائق للاستعمار الجديد لتحسين صورة امريكا القبيحة في العالم أجمع.

    نتمنى لكم التوفيق.
  • »انهم دائما حكماء (شذى)

    الجمعة 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2006.
    اشكرك سيد باسم على ماتقوله ولكني هنا اؤكد انه مهما تغيرت وتبدلت الاسماء والتعابير للغطرسة الامريكانية في بلادنا فاننا لا نرى الا وجهها القبيح صباح مساء بالامس فلسطين واليوم العراق وغداوسوريا..واقسم انهم دائماحكماء فيما يريدون .وفقكم الله.