الصمت الإسرائيلي المستغرب

تم نشره في الجمعة 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 03:00 صباحاً

 

لم يكن في إسرائيل صمت إلى هذا الحد، كالصمت الذي شهدناه في أعقاب اغتيال الوزير اللبناني بيير الجميّل، ففي حين ان ساسة إسرائيل كانوا يتسابقون في أعقاب كل عملية اغتيال أو تدهور أمني يجري في لبنان، للإدلاء بالتصريحات التي توجه أصابع الاتهام لسورية وحزب الله، إلا أنه منذ الإعلان عن اغتيال الوزير بيير، كان الصمت هو رد الفعل الأقوى.

اقتصر الرد الإسرائيلي في ثلاث عبارات قصيرة، أولها صدرت عن وزيرة الخارجية تسيبي ليفني، التي قالت "إن الاغتيال يثبت في أي منطقة نحن نعيش"، رغم ان السياسة التي تمثلها هذه الوزيرة تعتمد الاغتيالات نهجا مثبتا في الممارسة، وثاني هذه التصريحات، كان ما نشر عن رئيس الحكومة إيهود أولمرت، بقوله لرئيس الحكومة الإيطالية ان إسرائيل تراقب التطورات في لبنان لكي لا تنعكس على الحدود المشتركة، وآخر هذه التصريحات وبعبارة قصيرة، للوزير شمعون بيرس الذي انضم إلى اتهام سورية بجريمة الاغتيال.

على ما يبدو فإن هناك قرارا ضمنيا واضحا لقادة إسرائيل بتجنب الحديث عن الجريمة، وعلى ما يبدو لمعرفة إسرائيل الرسمية أنها هي أيضا في قفص الاتهام في هذه الجريمة، كما اتضح من محادثة خاصة مع أحد الصحافيين العاملين في إحدى الصحف الإسرائيلية الكبرى.

أما وسائل الإعلام الإسرائيلية فقد اختارت إبراز اتهام سورية بجريمة الاغتيال، وحتى المقالات التحليلية لم تخرج عن هذا الإطار باستثناء مقال وحيد، كتبه تسفي بارئيل، المحلل البارز والمختص بالشؤون العربية في صحيفة "هآرتس"، وهي صحيفة النخبة في إسرائيل، فقد اختار بارئيل التعاطي مع الموضوع بموجب المنطق الذي يراه، وليس ضمن الجوقة ذات الصوت الواحد في إسرائيل. واعتبر بارئيل أن اتهام سورية باغتيال الوزير اللبناني بيير الجميل، هو اتهام "روتيني جدا"، من الصعب ملاءمته مع"المنطق السياسي الحالي".

ويقول بارئيل في مقاله الذي نشر على الصفحة الأولى في اليوم التالي للاغتيال، إن اتهام سورية بقتل بيير الجميل "يضعها مجددا على رأس قائمة المشبوهين،... ولكن بخلاف عن عمليات قتل سياسي جرت في العام الأخير ضد سياسيين وصحافيين لبنانيين، فيخيل ان الشبهة المفروضة على سورية الآن هي روتينية أكثر من اللازم".

ويتابع بارئيل:"إن المنطق السياسي الحالي يستصعب تبني هذا الاشتباه.. ففي يوم الاغتيال سجلت سورية احد الإنجازات السياسية الهامة بالنسبة لها، منذ ان تلقت هزيمة في نيسان(ابريل) من العام 2005، فقد استأنفت العلاقات الدبلوماسية الكاملة مع العراق بعد انقطاع دام 25 عاما".

ويضيف بارئيل:"كذلك فإن سورية حصلت على نصف ختم من واشنطن التي باتت على استعداد للنظر لسورية كمسؤولة وقادرة على تهدئة الأجواء في العراق، ولكن ما هو أكثر أهمية ان هذا الاغتيال وقع عشية يوم استقلال لبنان، وفي الوقت الذي تتزايد فيه احتمالات سقوط حكومة السنيورة، وزيادة قوة مؤيديها في لبنان، ما قد يضع عراقيل مستقبلية أمام عمل المحكمة الدولية في قضية اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري". ويقول بارئيل: "مع ثلاثة إنجازات كهذه تحسن من وضعية سورية، فإن الأمر الأخير الذي تحتاجه سورية تهمة جديدة بقتل سياسي في لبنان". إلا أن بارئيل وفي ختام مقاله، لا يستبعد فرضية قيام مجموعة من أجهزة الاستخبارات السورية بتنفيذ القتل بقرار ذاتي، دون الرجوع للقيادة السورية العليا، كنوع من الانتقام لما جرى في لبنان مع السوريين.

وتلاحظ صحيفة "هآرتس" الصمت الإسرائيلي ودعت للإبقاء عليه، في كلمة العدد الصادر يوم أمس الخميس، تقول الصحيفة، "إن إسرائيل لا يمكنها ان تكون لا مبالية إزاء التطورات في لبنان، خاصة حين من الممكن ان تؤدي إلى تغيير سياسي في الدولة المجاورة، وأن تشعل الحرب مجددا".

وتتابع الصحيفة في مقالها تقول، "على الرغم من هذا فإنه من المجدي بناء جدار فاصل عال جدا بين الاهتمام والقلق لما يجري في لبنان، وبين التدخل في الشؤون الداخلية للدولة، إنها لحظة ملغومة، وعلى إسرائيل ان تساعد لبنان على التهدئة، ووقف التحليق الاستفزازي في سماء لبنان، والإعلان عن الاستعداد للانسحاب من مزارع شبعا، وحتى الإعلان عن الاستعداد للتفاوض مع بشار الأسد حول استئناف العملية السياسية من شأنه أن يساهم بشكل كبير في تخفيف كبير جدا لاحتمال الانفجار في لبنان".

إن الوضع السياسي في إسرائيل يشبه كثيرا الجبنة الهولندية المليئة بالثقوب، فعلى الرغم من الإجماع حول القضايا العسكرية والاستخباراتية ومحاولات التكتم، إلا أنه لا بد وأن تظهر مؤشرات أوضح، حول الدور الإسرائيلي، إذا كان حقا، في جريمة اغتيال بيير الجميل، ولو تلميحا بين السطور. فإسرائيل تعرف أنها متهمة في العالم العربي ولدى أوساط في لبنان، وفي محاولة للدفاع عن نفسها فهي اليوم تقتبس ما قاله النائب سعد الحريري، حينما قال، إن من يتهم إسرائيل بالجريمة فعليه ان لا يخاف من المحكمة الدولية.

في السنوات الأخيرة كانت بصمات الاستخبارات الإسرائيلية واضحة جدا في سلسلة من الجرائم في لبنان، ولكن بشكل خاص ضد شخصيات فلسطينية، وفي الأمس القريب تم ضبط خلية تابعة للموساد الإسرائيلي التي نفذت سلسلة جرائم، وكان اعترافا ضمنيا لهذه القضية في الصحافة الإسرائيلية، في حينه.

كذلك فإنه في شتاء العام 2002، كانت بصمات إسرائيل واضحة في اغتيال حليفها السابق، إيلي حبيقة، ذراع إسرائيل التنفيذي في مجزرة صبرا وشاتيلا، وتم ربط الاغتيال بالشكوى القضائية التي رفعها فلسطينيون أمام محكمة في بلجيكا ضد رئيس الحكومة الإسرائيلية السابق أريئيل شارون لدوره في مجزرة صبرا وشاتيلا، واحتمال ان يكون حبيقة نفسه شاهدا ضد شارون في المحاكمة التي لم تجر لاحقا.

صحافي وكاتب سياسي- الناصرة

bjaraisi@yahoo.com

التعليق