الوجه الجديد للأمم المتحدة

تم نشره في الخميس 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 03:00 صباحاً

 

في الأول من كانون الثاني(يناير) 2007 يتسلم بان كي مون وزير خارجية كوريا الجنوبية السابق منصب الأمين العام للأمم المتحدة خلفاً لكوفي أنان الذي أمضى عشرة أعوام في نفس المنصب. لقد ألهم أنان العالم بدبلوماسيته وزعامته فيما يتصل بقضايا مثل الفقر وحقوق الإنسان. إلا أن الحرب في العراق أدت إلى انقسام العالم وتحول انتباهه وموارده المالية بعيداً عن مناطق الأزمات والمشاكل الحرجة ذات الآثار بعيدة المدى مثل تغير المناخ، والسيطرة على الأمراض، وتوفير الطاقة المستدامة، والحصول على مياه الشرب النظيفة. ومع الانتخابات الأخيرة التي شهدتها الولايات المتحدة، وتزايد نفوذ آسيا على الصعيد العالمي، لاحت الفرصة لتحويل انتباه العالم من جديد إلى أخطر التحديات التي تواجه كوكبنا.

علاوة على التحديات طويلة الأمد مثل الفقر، والبيئة، والانتشار النووي، وإصلاح الأمم المتحدة، فلسوف يرث الأمين العام الجديد قائمة طويلة من مواقع الأحداث الساخنة: في العراق، وإيران، وأفغانستان، وفلسطين، ولبنان، والصومال، وميانمار، والسودان، وكوريا الشمالية، وأماكن أخرى من العالم. لقد فشلت كل المحاولات الأخيرة للتأثير على الأحداث في هذه البلدان من خلال التهديدات والعقوبات، بل والحرب في بعض الأحيان. ومن المؤسف أن الأوضاع في أغلب هذه المواقع أصبحت اليوم أقل استقرارا مما كانت عليه منذ خمسة أعوام. ومن الواضح أن الأمر يتطلب توجهاً جديداً في التعامل معها.

ظلت الدول الآسيوية الرائدة، بما فيها كوريا الجنوبية مسقط رأس بان، تتبنى لمدة طويلة توازناً بين التوجهات الدبلوماسية وبين الحوافز الاقتصادية كأداة لحل التحديات المعقدة. وبدلاً من الاعتماد على العقوبات والتهديد باستخدام القوة، فإن الفكرة تتلخص في دعم الازدهار طويل الأمد في مناطق العالم غير المستقرة اليوم. ويشكل هذا التوجه المتوازن أهمية كبرى لأن المتاعب التي تواجهها أغلب مناطق العالم الساخنة لا ترجع إلى السياسة فحسب، بل إلى التحديات الأساسية المتمثلة في الفقر، والمرض، والأزمات البيئية.

ولنتأمل أزمة دارفور، تلك الأزمة التي نوقشت في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة باعتبارها مواجهة بين الحكومة السودانية وسكان منطقة دارفور. إلا أن الحقيقة الأكثر تعمقاً تتلخص في أن دارفور لا تنعم بالاستقرار لأنها تؤوي شريحة فقيرة كبيرة من السكان في الوقت الذي تشهد فيه نمواً سكانياً سريعاً، فضلاً عن غياب المدد الكافي من مياه الشرب، والطعام، والمراكز الصحية، والمدارس، والخدمات الأخرى. وبدلاً من التركيز على العقوبات، يجدر بالقوى الكبرى أن تعمل بالتعاون مع حكومة السودان على اقتراح وتنفيذ إستراتيجيات تنموية طويلة الأمد.

إن نزع فتيل الأزمة في دارفور ومناطق أخرى من العالم سوف يكون من بين أعظم التحديات التي ستواجه الأمين العام الجديد. إلا أنه من الأهمية بمكان ألا تنتقل الأمم المتحدة من بقعة ساخنة إلى أخرى بتعجل ودون التوصل إلى حلول دائمة للأزمات. تضطلع الأمم المتحدة أيضاً بدور فريد يمنحها الفرصة لتولي زعامة الجهود الرامية إلى بناء إجماع عالمي حول التحديات البيئية والاقتصادية طويلة الأمد التي تواجه كوكب الأرض.

لقد بات من الواضح أن قضايا مثل تغير المناخ، والتصحر، وتكاثر السكان، والتوترات البيئية الأخرى سوف تشكل تحدياً وتهديداً لحياة مئات الملايين من البشر في كل أنحاء العالم خلال العقود القادمة. ولسوف تكون زعامة الأمم المتحدة مفيدة في اقتراح وصياغة الحلول لمثل هذه التحديات العالمية المروعة.

في الفترة من العام 1992 إلى العام 2002 وقعت الحكومات الأعضاء في الأمم المتحدة على عدد من المعاهدات والاتفاقيات التي لابد وأن تشكل أساس التوصل إلى حلول عالمية طويلة الأمد. فقد أسفر مؤتمر البيئة الذي انعقد في ريو في العام 1992 عن الخروج بثلاث معاهدات ـ حول تغير المناخ، والحفاظ على التنوع البيئي، ومقاومة التصحر. وفي العام 2000 وافقت الحكومات الأعضاء على أهداف تنمية الألفية. وفي العام 2002 وافقت على إجماع مونتيري، فتعهدت بموجب هذا الإجماع بتنسيق الجهود الرامية إلى مضاعفة مساعدات الإغاثة الموجهة إلى الدول الأكثر فقراً إلى ثلاثة أمثالها من أجل الوصول إلى الهدف العالمي للمساعدات الخارجية: 0.7% من الناتج المحلي الإجمالي للدول الغنية.

وعلى هذا فإن المسعى الأساسي للأمم المتحدة اليوم لابد وأن يتلخص في تحقيق الأهداف التي تم تحديدها من قبل، وليس خلق أهداف جديدة. وهذا في الحقيقة يتلاءم بصورة واضحة مع الروح التي يتعامل بها بان مع منصبه الجديد. فلقد أكد بوضوح عزمه في توجيه الأمم المتحدة نحو الوفاء بالالتزامات التي تعهد بها المجتمع الدولي. وبدون الوفاء بهذه الالتزامات فلن تقودنا كل معاهدات واتفاقيات العالم إلى أي مكان.

سوف يكون لزاماً على الأمين العام أثناء ولايته أن يواجه التحدي الملح المتمثل في صياغة اتفاق عالمي بشأن التعامل مع قضية تغير المناخ فيما بعد العام 2012، حين ينتهي العمل ببروتوكول كيوتو. فضلاً عن ذلك فما زالت أهداف تنمية الألفية بعيدة كل البعد عن مسارها الصحيح في أكثر الدول فقراً، ولم يتبق من الوقت سوى تسعة أعوام. فعلى الرغم من التعهد العالمي بتقليص معدلات خسارة التنوع الأحيائي إلى حد كبير بحلول العام 2010، إلا أن مناطق شاسعة من الغابات المطيرة والمحيطات ما زالت تتعرض للتدمير.

إذا عملت الولايات المتحدة على نحو أكثر قوة وتركيزاً في إطار الأمم المتحدة، فلسوف تجد العديد من الشركاء بين القوى الآسيوية الناشئة، الراغبة في استخدام نفوذها وبذل مواردها في سبيل مواجهة وحل تحديات اليوم. فالدول الآسيوية مهتمة في المقام الأول بتحقيق الاستقرار العالمي اللازم لدعم نموها على الأمد البعيد.

والحقيقة أن هذه الدول تدرك المدى الذي بلغه نفوذها المتزايد في كل أنحاء العالم، في مجالات الاستثمار والشراكات التجارية، وباعتبارها مساهمة في التغير البيئي وضحية له في نفس الوقت. وتستطيع القوى الآسيوية من وراء الكواليس أن تساعد في نزع فتيل الأزمات في دارفور، وكوريا الشمالية، وميانمار، وأماكن أخرى من العالم. كما أنها تشكل قدراً كبيراً من الأهمية فيما يتصل بصياغة توجهات تعاونية جديدة في التعامل مع قضايا تغير المناخ، وندرة المياه، وما إلى ذلك.

سوف يتولى الأمين العام الجديد منصبه وقد أصبح العالم متلهفاً على التوصل إلى حلول للمشاكل المزمنة التي يعاني منها. ومن الأهمية بمكان أن ندرك أن أهدافنا العالمية المشتركة أصبحت اليوم تحظى باتفاق واسع النطاق. وهي أهداف قابلة للتحقق، والتحدي يكمن في إيجاد الإرادة اللازمة لتحقيقها.

جيفري ساش أستاذ علوم الاقتصاد ومدير معهد الأرض بجامعة كولومبيا.

خاص بـ"الغد" بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت

التعليق