محمد أبو رمان

في مئوية البنا: أين صار "الاخوان"؟

تم نشره في الخميس 23 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 03:00 صباحاً

 

تحتفل جماعة الاخوان المسلمين في شتى أنحاء العالم اليوم بذكرى مرور مائة عام على ميلاد الإمام حسن البنا، وقد أنهت الجماعة احتفالاتها في الأردن، منذ أيام قليلة. تمثل جماعة "الاخوان" الميراث العملي الضخم الذي تركه البنا، وهي الجماعة الأولى عربياً من حيث التنظيم والأنصار والشعبية، وأصبحت الرقم الصعب في الانتخابات التي تجري في كثير من الدول العربية.

تقليدياً يمتاز أعضاء الاخوان بالاعتدال الفكري وبعدم التشدد الفقهي، فهم يمثلون الطبقة الوسطى في كثير من الدول العربية، بخاصة الأردن ومصر، مقارنة بجماعة التيار السلفي، بخاصة الجهادي، الذين يمتاز أكثرهم بضعف التحصيل الثقافي والعلمي، وبالانتماء إلى الطبقات الفقيرة في دول معينة كالأردن والمغرب ومصر واليمن.

تذبذبت رؤية الاخوان السياسية بين مدرستين فكريتين، مدرسة الإمام البنا ومدرسة الشهيد سيد قطب. مدرسة الشهيد سيد قطب سادت في مرحلة من الزمن، إلى السبعينات، حين تعرّضت الجماعة لحملة عنيفة وعملية تصفية رسمية ممنهجة على يد النظام الناصري والنظم البعثية في العراق وسورية، تخللها إعدام قيادات الجماعة ومجازر مرعبة ارتكبت بحقها في السجون المصرية ومدينة حماة السورية، فكان فكر قطب رداً على تلك الحقبة الدموية يمثل قطيعة ومواجهة سياسية وفكرية معها، وقد سمي بفكر "المحنة"، إلاّ أنه ومنذ التسعينات بدت عودة "الاخوان" لمدرسة البنا واضحة وجلية، بتبني الدعوة إلى عدم تكفير النظم الحالية والقبول بمبدأ المشاركة السياسية، ورفض العمل المسلح، وإن كانت بعض الجيوب "الاخوانية" لا تزال تتمسك اليوم بأفكار ومدرسة سيد قطب.

وعلى الرغم أن ظلال القرآن لا يزال يدرس في أدبيات الاخوان، إلاّ أن تأثيره يأخذ طابعا وجدانياً تربوياً من دون أن يؤثر على المسار السياسي- الحركي لنشاط الجماعة، وإن كان ذلك يمثل "مفارقة" بين بعض أدبيات التربية الاخوانية التي تقوم على مبدأ المفاصلة والعزلة بينما تدعو الجماعة في خطاباتها الخارجية ومبادراتها إلى الديمقراطية والانفتاح والمشاركة، وهي الإشكالية التي تدفع ببعض منتقدي الجماعة إلى القول ان للجماعة وجهين؛ الأول داخلي- متشدد موجه للأعضاء والثاني خارجي- براغماتي يهدف إلى تسويق الجماعة في الخارج وتجميل خطابها الديني والسياسي.

يمكن اعتبار مبادرات الإصلاح التي صدرت عن الجماعة في الفترة الأخيرة بمثابة القطيعة الفكرية والسياسية مع مدرسة سيد قطب رسمياً، إذ أعلنت الجماعة قبولها بالديمقراطية والتعددية وحق المعارضة وتداول السلطة وحقوق الإنسان وحقوق المرأة بدرجة كبيرة، وقد صدرت عدة دراسات غربية تؤكد أهمية وحيوية هذه القفزة الفكرية، كدراسة معهد كارنيغي "الإسلاميون والمناطق الرمادية" ودراسة "الإيمان بالاعتدال: أحزاب الإسلاميين في الأردن واليمن" لجيليان شويدلر، وتقرير "المجلس العلمي للسياسة الحكومية" في هولندا، بعنوان "ديناميكية النشاط الإسلامي". وكلها تؤكد التطور الفكري الجاري لدى الاخوان باتجاه التكيف مع الواقع والمجتمع بدرجة أكبر، وهي الظاهرة التي يرصدها بامتياز، الباحث المصري، حسام تمام في مقالات عدة نشرت في "الغد".

في المقابل، هنالك أدبيات وقراءات متعددة وكثيرة تنتقد "الاخوان" ومناهجهم الفكرية بعضها ينطلق من رفض مقولات الحركات الإسلامية أيديولوجيا بالأساس، ويمكن الرجوع في هذا السياق إلى الدراسة المتميزة التي يقدمها تركي الربيعو "الحركات الإسلامية في منظور الخطاب التقدمي العربي"، وهي بمثابة الوثيقة النقدية التي تفضح حالة الانحياز الأيديولوجي لا المعرفي الذي يطغى على مواقف وأفكار كتاب ومفكرين عرب كبار ضد الحركات الإسلامية. على الجهة المقابلة هنالك دراسات من الوسط الإسلامي تختلف مع الاخوان وتنتقد ممارساتهم وخطابهم ولعل أبرز هذه الكتابات تلك الصادرة عن التيار السلفي بمدارسه واتجاهاته المختلفة.

بعيداً عن الجدل الكبير حول "الاخوان" ومسارهم؛ فإن وجود "الاخوان" اليوم كقوة كبرى في الساحة الاجتماعية والسياسية العربية، يضعهم أمام تحديات جسام ومفترق طرق حقيقي. في هذا السياق ثمة تحديات خارجية تحدد العلاقة بالنظم العربية والغرب وقدرة "الاخوان" على صوغ معادلة براغماتية- سياسية تجنبهم مصيراً مأساوياً، كما حدث في السابق، عندما نُكل بهم، وثمة تحديات داخلية تتحدد بالقدرة على تطوير خطاب الجماعة ومؤسساتها المختلفة لتكون أكثر مرونة وكفاءة على التكيف مع المتغيرات الواقعية، بل وتطوير أهدافها بما يتناسب مع ذلك.

التحديات الداخلية هي الأهم والأخطر، وهي المحك الحقيقي في اجتياز الجماعة لمفترق الطرق الحالي الحاسم، وعلى الجماعة ألا تضيق ذرعاً بعملية "النقد"، بل أن تسعى إلى بناء منهجي لهذه العملية بدلاً من حالة الانزعاج والقلق من النقد الداخلي، ما أدى في المحصلة إلى هجرة الكفاءات الفكرية والإدارية من الجماعة، وهي ظاهرة خطيرة وقاتلة تصيب الجماعة بداء قاتل!

m.aburumman@alghad.jo 

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الدفاع عن النفس فضيلة ! (محمد الشبيري)

    الجمعة 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2006.
    الإخوان المسلمون تجاوزوا مرحلة التنظير عنهم وتقسيمهم إلى فكرين كما يرى السيد أبو رمان وهو كاتب مميز ومتابع حصيف ، إن ثمة أوضاع تفرضها الأنظمة العربية في بلدانناالعربية كما لو أنها تدعو الجماعة _وغيرها_ إلى الرجوع إلى فكر " المحنة " كما اطلق عليه الكاتب ، وهو فكر تطلبته المرحلة التي عاشها سيد قطب أنذاك وهو ليس فكر محنة بقدر ما هو ردة فعل غاضبة على ما عاناه الإخوان ابان تلك الفترة ، وما دامت الأنظمة تعرف مدى وسطية الإخوان واعتدالهم_برغم عدم الحاجة لشهادات الحكومات العربيةفي هذا الجانب_ فلماذا تحاول العودة بهم إلى المربع الأول .
    أعتقد كملامس لمثل هذه الحالات أن الجماعة تتطور كثيراً كل يوم بعكس الأنظمة التي تزداد سوءاً كل ساعة! فالجماعة تركت العنف الذي كان يُنسب إليها واتخذت من السياسة والانتخابات نهجاً استراتيجياً لا حياد عنه ، لكن السلطات لا تزال تفكر بعقلية الإعتقالات والاحتجاز القهري بأوامر علياء !! هل أدركتم الفرق ؟!