إبراهيم غرايبة

"الدين" في أميركا اللاتينية

تم نشره في الثلاثاء 21 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 02:00 صباحاً

تمثل تجربة أميركا اللاتينية في العمل السياسي والعام للحركات اليسارية والدينية المسيحية درسا بالغ الأهمية لجميع الحركات الاجتماعية والسياسية والدينية في العالم، فاليسار في أميركا اللاتينية يمثل نموذجا خاصا يستلهم التاريخ والمجتمع والثقافة في القارة، والكنيسة تقوم بدور اجتماعي وسياسي فريد من نوعه في العالم، وفي علاقتهما معا فإن الكنيسة والحركات اليسارية والنقابية والاجتماعية قد أنتجا نموذجا تفاعليا يؤثر فيه كل طرف في الآخر على نحو إيجابي وفريد.

فأورتيغا رئيس نيكاراغوا الذي انتخب مؤخرا ليس هو أورتيغا قائد الثورة الساندينية التي أطاحت بنظام سوموزا عام 1979، ذلك أن التحالف السياسي والنضالي بين الساندينيين والكنيسة، جعل كلا منهما يتجه نحو اليسار الاجتماعي، فلم يعد أورتيغا الثائر الماركسي المؤمن بدور الدولة والتأميم الاقتصادي، ولكنه يدعو إلى نظام اقتصادي منفتح يكون للقطاع الخاص والاستثمارات التجارية فيه دور كبير ويحقق العدالة الاجتماعية والرفاه والتنمية لجميع المواطنين وعلى نحو عادل، وفي الوقت نفسه فإن الكنيسة المتحالفة مع اليساريين تنظم عمليات ومؤسسات اجتماعية ونقابية تناضل لأجل العدالة الاجتماعية والتنمية والحريات.

ففي البرازيل تبنت الكنيسة هوية جديدة بوصفها "كنيسة الشعب"، وكان لذلك دور كبير في التحول الديمقراطي، ولكن هذه الهوية وجدت نفسها برأي خوسيه كازانوفا مؤلف كتاب الأديان العامة في العالم الحديث في صراع مع الواقع التعددي للمجتمع المدني البنيوي ومع واقع البنى المهنية النخبوية للمجتمع السياسي.

وقد بدأ الخلاف بين الدولة والكنيسة في البرازيل في القرن التاسع عشر بعدما كانت الكنيسة مؤسسة تابعة للدولة في البرازيل ومن قبل للتاج الإسباني، فجرت تسوية هذه الخلافات وأعيدت الكنيسة إلى التضامن مع السلطة. لكن الحركات الاجتماعية التي نشأت في البرازيل، بخاصة بعد سياسات إهمال الريف وتجاهل الفقراء، شملت الكنيسة لتشارك في برامج الإصلاح الزراعي والانحياز لخيار الفقراء مما جعلها توصف بأنها "كنيسة الشعب" بل وتحول أساقفة الكنيسة إلى دعاة راديكاليين يهاجمون الأوضاع غير الإنسانية للفقراء والمزارعين، ويدعون علنا إلى الاشتراكية ومناهضة الرأسمالية.

ساهمت الكنيسة في تشكيل ونشأة الحركات النقابية الريفية، ومواجهة الحكم العسكري الذي جاء نيتجة انقلاب عام 1964 وبدأت مواجهة قوية بين الكنيسة وبين الدولة موضوعها حقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، وكان رد الكنيسة على سياسات الحكومة والاستثمارات الرأسمالية التي أدت إلى نشوء هجرة واسعة من الريف إلى المدن وقيام أحزمة البؤس حولها بمساعدة الهنود والريفيين على تنظيم أنفسهم، وتقديم الدعم والحماية لهم في مواجهة الإقطاعيين والسلطات المحلية والمركزية والشركات الاستثمارية، وأنشئت أيضا مؤسسات كنسية من الأساقفة لهذه الأغراض، مثل اللجنة الرعوية لشؤون العمال والسكان الأصليين (الهنود) ولجنة العدل والسلام لتنسيق النشاطات الإنسانية والاجتماعية والنقابية، والعمل السياسي والإعلامي في مواجهة التعذيب والفساد وانتهاكات حقوق الإنسان.

ومع بداية الثمانينيات كان يعمل في البرازيل حوالي 8000 جمعية كنسية تعمل كتنظيمات شعبية بين الطبقات الفقيرة بين البرازيليين البالغ عددهم حوالي 150 مليونا يعاني نصفهم على الأقل من الفقر ويعيشون على الهامش، وتعتبر الكنيسة هناك صوتهم الأساسي في مواجهة حالة لا يجدون فيها تمثيلا لآرائهم واهتماماتهم، فالكنيسة كما توصف هناك "صوت من لا صوت له".

الدرس المهم الممكن أن يستفيد منه عالم الجنوب بخاصة هو أن الثقافة الدينية والتاريخية والاجتماعية يمكن أن تشكل موردا لاستنهاض الهمم وإنشاء نموذج سياسي واقتصادي يجعل من العولمة والرأسمالية موردا للعدالة الاجتماعية والتنمية والإصلاح أيضا، فلم تعد المجتمعات والدول أمام خيارين لا ثالث لهما، ولكنها يمكن أن تبدع نظاما تعاونيا بين الحكومات والمجتمعات والشركات والأفراد يحقق لجميع مكونات وعناصر المجتمع والدولة أهدافها.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق