قصة قديمة

تم نشره في الاثنين 20 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 03:00 صباحاً

قبل سنوات طويلة، روى أحد السياسيين المخضرمين قصة كان جزء منها يتعلق بفترة اتفاقية كامب ديفيد، عندما كانت الضغوط شديدة على الاردن للانضمام الى المفاوضات. ولم تكن الخطورة آنذاك متعلقة بالقضايا الثنائية بين الاردن واسرائيل، بل في الدور المطلوب على صعيد القضية الفلسطينية، بدخول الأردن شريكا استراتيجيا في تنفيذ ما يرتبط بالمسار الفلسطيني في الاتفاقية، فيما كان الاردن وقتها في ذروة الصراع مع منظمة التحرير، وقبل فك الارتباط.

الموافقة كانت تعني دخول الاردن منعطفا خطيرا على الصعيد الداخلي والخارجي، ليكون اقل وصف هو الخيانة، والعزلة على غرار ما حدث للرئيس المصري الراحل انور السادات.

الخيار -كما يقول ذاك السياسي- كان صعبا؛ فأميركا وضغوطاتها الشديدة من جهة، والثمن الذي سيدفعه الاردن شعبيا وعربيا وإسلاميا من جهة أخرى. وكانت الادارة الاميركية تريد انجاح كامب ديفيد بعدما رفضت منظمة التحرير الانخراط بها، وترى (أميركا) في الاردن حلقة ضعيفة يمكن اجباره على اداء الدور السلبي الذي يصل حد "الخيانة" بمصطلحات تلك المرحلة، قبل ان يخترع العرب الواقعية، فتصبح اوسلو حلا واقعيا، فيما خريطة الطريق الحلم العربي والفلسطيني!

ويقول هذا السياسي ان الملك الحسين، رحمه الله، جاء الى مجلس الوزراء وقد بدا عليه عِظَم الامر؛ وتحدث عما هو مطلوب من الاردن، وما يواجه من ضغوطات، وما هي مخاطر الرفض؛ وطلب رأي الحكومة. وفي تلك اللحظات لم يكن الامر سهلا على الحكومة، سواء رفضت ام قبلت. وبعد حديث بعض أعضاء الحكومة، قام الحسين بالتأكيد على انه سيرفض هذه الضغوطات، وأنه لن يذهب بالأردن الى هذا المسار. وبالعزيمة التي تحدث بها، رحمه الله، عاد الدم الى عروق بعض الحاضرين الذين كانوا يرون في القبول نهاية لكثير من الامور، وفي الرفض مرحلة صعبة.

كيف واجه الحسين تلك المرحلة، وما هي تبعات الرفض والثمن الذي كان، هو أمر ربما يعرفه اهل السياسة آنذاك، لكن المهم ان قيادة الأردن جنبته ممرا مظلما ودورا مشبوها، ومارست حماية لأمن البلاد واستقرارها ولجبهتها الداخلية.

واذا تحدثنا عن المواقف الحاسمة، فإننا نتذكر حرب الخليج في العام 1991، عندما كان حلف الثلاثين في حفر الباطن ضد العراق وشعبه. وإذ اختار الحسين الانحياز لموقف الاردنيين الرافضين للعدوان على بلد عربي، فإنه حفظ للأردن وحدته.

وهذا الموقف لم يكن مجانيا، فالضغوطات كبيرة، والحصار الذي فرض على الاردن كان من الاشقاء والاصدقاء والاعداء؛ لكن تاريخ الاردن سجل للحسين، رحمه الله، ذلك الموقف العربي الذي رفض احتلال العراق للكويت، لكنه رفض ايضا عدوانا يشارك فيه على العراق. ومازلنا جميعا، معارضة وحكومات ومواطنين، نفخر بتلك المرحلة.

هذه القصص القديمة جزء من مراحل متجددة في حياة كل الدول: ضغوطات، وشروط تستغل مشكلات الدولة الاقتصادية والسياسية او العسكرية؛ لكن قيمة اصحاب القرار دائما في اتخاذ الموقف السليم، اما الانصياع للضغوطات فلا يحتاج الى اي مواصفات من حكومات او غيرها، لانه مهمة الضعفاء والمرعوبين. والحل ليس في شن حروب على الدول الكبرى، بل في ادارة المراحل.

وعندما نتحدث دائما عن ضرورة ان تكون طبقات صناعة القرار خبيرة مسيسة، تعرف التاريخ والجغرافيا، وتدرك انها مسؤولة عن تاريخ الدولة واسمها، فلأن الخبرة والروح الوطنية والذكاء هي العون لصاحب القرار، فلا يسكنه الخوف والاعتقاد ان ضغوطات الكبار قدر إلهي لا مرد له.

وما دامت الدول تسير، فستبقى المراحل الصعبة التي تحتاج الى مخزون الخبرة. وأضعف انواع الرجال هم الذين يرون في اي ازمة ضرورة البحث عن موقع لهم ومكاسب، بعدما يحدث الخيار الاسوأ، فلا يفكرون في ادارة المرحلة او الموقف المناسب بقدر ما ينشغلون بالحسابات ومصالحهم الشخصية. وهؤلاء، حتى لو اكثروا الضجيج في المراحل العادية، هم عبء على اوطانهم وعلى صاحب القرار.

العالم ليس فقط عبر الانترنت، بل في التاريخ والقصص القديمة التي فيها الكثير من العلم والفائدة. فالضغوطات لا تواجه بسبل الانصياع لها، بل بالبحث عن المصلحة الحقيقية، حتى ان كان لهذا ثمن.

sameeh.almaitah@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »Graat post (Ahmad)

    الثلاثاء 21 تشرين الثاني / نوفمبر 2006.
    مقالة تستحق التصفيق لواقع يستحق الرثاء.. لست متشائماً ولكن لناالحق بأن نسأل عن مدى أهلية من يسيرون امورنا والى اين سيذهبون بنا ..
    صدقني سئمنا ان نبقى كشعب في خانة المفعول به!!
  • »رائع (علي)

    الاثنين 20 تشرين الثاني / نوفمبر 2006.
    كنت وما زلت الافضل في مقالاتك يا أخ سميح شكراً لك