إبراهيم غرايبة

تركيا وجدل الحجاب والعلمانية

تم نشره في الاثنين 20 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 03:00 صباحاً

يخصص الأتراك يوم 10 تشرين الثاني من كل عام لتذكر مصطفى كمال أتاتورك مؤسس تركيا الحديثة، والذي فرض العلمانية في حملة تشريعية وسياسية وثقافية وأمنية وعسكرية، وبرغم مرور أكثر من ثمانين سنة على هذه الثورة العلمانية فمازالت موضع جدل وتوتر وأزمات في تركيا لم تتوقف بعد.

وهي أزمات تبدو اليوم تشمل العالم الإسلامي والعالم كله أيضا، فمن تركيا إلى تونس ومصر وباكستان، ومن فرنسا إلى هولندا وسائر أنحاء أوروبا يدور جدل سياسي وثقافي حول الحجاب والحريات والعلمانية والإسلام.

وفي حربه على الإسلامية ومحاولة إلغاء تأثير الإسلام في تركيا فقد أنشأ أتاتورك حالة سياسية واجتماعية جديدة أدت إلى شرخ كبير في تركيا وآلت إلى انتصار الإسلاميين في الانتخابات وهزيمة الكماليين.

لا تشبه الجمهورية التركية التي أسسها مصطفى كمال أتاتورك لتكون كما الدول الأوروبية علمانية ديمقراطية أوروبا بشيء، فهي في مسائل الديمقراطية والحقوق المدنية والحريات وقضايا الأقليات تمارس ظلما وانتهاكا بل إنها ظلت منذ تأسيسها دولة الحزب الواحد حتى عام 1945 وبمجرد بدء التعددية السياسية فيها هزم حزب أتاتورك هزيمة كبرى.

بدأت التعددية الحزبية في تركيا عام 1945 فكان حزب التنمية القومي برئاسة نوري ديميراغ، والحزب الديمقراطي بقيادة جلال بايار وعدنان مندريس الذي حقق أغلبية كبرى عام 1950 وتكررت انتصاراته عام 1954 و1957 مما أدى إلى وقوع انقلاب عسكري عام 1961 لإعادة حزب أتاتورك إلى السلطة، وأعدم مندريس، ولكن الحزب الديمقراطي الذي صار حزب العدالة بقيادة سليمان ديميريل رجع مرة أخرى إلى السلطة ليترأس ثلاث حكومات متعاقبة حتى عام 1971عندما أجبره العسكر على الاستقالة ووضعوا يدهم على السلطة حتى عام 1973 فأجريت انتخابات نيابية فاز فيها حزب الشعب (أتاتورك) بقيادة الشاب بولنت أجاويد الذي كان قد هزم قبل سنة (1972) عصمت إينونو زعيم الحزب التاريخي وخليفة أتاتورك ورئيس الحزب لمدة ثلاث وثلاثين سنة.

ووقع انقلاب عسكري عام 1980 بقيادة كنعان أفرين وحظرت الأحزاب وسجن قادتها، ثم جرت انتخابات عام 1983 وسيطر حزب الوطن الأم بقيادة تورغوت أوزال الذي اقتفى خطوات وأفكار عدنان مندريس على الحياة السياسية حتى عام 1991 ثم عادت مرحلة من التشرذم السياسي واضطرت الأحزاب إلى الائتلاف لتشكيل الحكومات.

ويشكل حزب العدالة والتنمية الحاكم اليوم في تركيا نموذجا تركيا جديدا في السياسة والعلاقة بين الإسلام والعلمانية لعلها أقرب إلى المصالحة، وربما تكون نموذجا للعالم الإسلامي الذي يشهد حالة من صعود الحركات الإسلامية والتي بدأت تشكل قلقا وتحديا لكثير من الأنظمة السياسية في العالم العربي والإسلامي.

ومن الملفت أن تركيا التي أوغلت في العلمانية وتطرفت على يد أتاتورك في محاولة الابتعاد عن الإسلام كانت هي المسرح المثالي لعودة الحركة الإسلامية إلى الحكم من خلال الانتخابات وللمصالحة المتوقعة بعد هذه الحرب الضروس الطويلة والتي استهلكت العالم الإسلامي أكثر من قرن من الزمان.

كانت الفكرة الأساسية لحزب العدالة أنه يجب التخلي عن الخطاب الديني الذي التزمه حزب الفضيلة بقيادة أربكان، وأن يستخدم خطابا يتفق مع الواقع التركي والعالمي أيضا.

وتقوم فكرة البرنامج على أن تركيا لديها شعب يتميز بالشباب والديناميكية، وتراث حكم عميق الجذور وشديد الغنى، وموقع جيوستراتيجي يمكن أن يساعدها على أن تلعب دورا مؤثرا في منطقتها، وفرص سياحية مستمدة من التاريخ والجغرافيا، وشخصية وطنية قائمة على التدين والتضامن، وسجل من الإنجازات.

فهل ينجح حزب العدالة فيما فشل أتاتورك وخلفاؤه من بعده في تحقيقه؟

Ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق