بين حسن البنا وموزارت

تم نشره في الأحد 19 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 03:00 صباحاً

احتفلت النمسا قبل أيام بذكرى مرور 200 عام على ولادة الموسيقار العالمي موزارت. وحتى غير المهتمين بالموسيقار سمعوا بالاحتفالية التي امتدت شهورا، وظهرت في كثير من مجالات الحياة هناك.

من المؤكد ان بلاد موزارت لا تحتفل بالمقطوعات التي انتجها، بل تحتفل بنفسها أنّ منها مبدعين ومؤثرين في مسيرة العالم. وحتى في منطقتنا هناك دول احتفلت بمبدعيها في مجالات الادب والفن والغناء، وهي مجالات قد لا يعلم عنها بعض الناس الكثير، او هي ليست محل اهتمامهم، لكن يظل هؤلاء المبدعون في مجالاتهم جزءا من مسيرة الدولة والمجتمع، رغم أننا قد نكون أسرفنا في تكريم بعض المجالات. فعبدالحليم حافظ، مثلا، اخذ اهتماما اكثر من احمد شوقي وحتى احمد عرابي!

وبعض من قدموا للدولة خدمات من زعامات سياسية قد لا يتم ذكرهم الا بشكل عفوي. ونتذكر قبل فترة كيف ان بيت وصفي التل، الذي لا يسكنه احد، انقطعت عنه الكهرباء لعدم دفع الفواتير؛ ولولا ان احد الزملاء كتب عن الموضوع، لما تنادى البعض للتبرع لدفع الفواتير، ثم تحويل البيت الى متحف! أي أننا احتجنا الى قطع الكهرباء حتى يتذكر اهل القرار ان هذا البيت فيه من الدلالات ما تستحق التكريم!

الامام حسن البنا، رحمه الله، احد الذين لا يحظون باهتمام وتكريم من المجتمعات والدول، والمشكلة ان كثيرا من الاطراف تتعامل معه وكأنه قائد حزب معارض، او رجل خارج على القانون، ويعاقب على قاعدة علاقة الدول مع تنظيمه وجماعته، ما ينطوي على ظلم كبير للرجل الذي تجاوز في حجمه وتأثيره فكرة الحزب والتنظيم، إذ هو في صف رجال الفكر والاصلاح، وقد يكون من اكثرهم حضورا في حياة العالم الاسلامي، من خلال الفكرة والنهج او الروح التي ما زالت متواجدة سرا وجهرا.

ومحبو البنا يظلمونه اذا ما تعاملوا معه على أنه فقط زعيم الاخوان المسلمين، كما يظلمه خصومه اذا تعاملوا معه على قاعدة قوانين الاحزاب، او الطوارئ، أو اعدام المنتسبين للاخوان، لأن الرجل -رحمه الله- قدم فهما حقيقيا للاسلام كدين شامل، لكن بمنهج اصلاحي يرفض العنف والدم، إذ يؤمن بالتربية والتغيير الاجتماعي وبناء الفرد والاسرة. والبنا تحدث بوضوح قد لا يتوافر للبعض الان، حين امتدح النظام الدستوري، واعتبره النظام الاقرب إلى فكره، وشارك في الانتخابات النيابية في زمنه، فوضع قبل اكثر من نصف قرن قاعدة لا تحتاج الى فتوى من المتأخرين بضرورة المشاركة والاصلاح السياسي. كما عمل البنا بجد للتقارب السني الشيعي، ومارس المقاومة المشروعة ضد الاحتلال البريطاني، وقدم جهدا ملموسا في حرب فلسطين في العام 1948.

وفي مرحلة مبكرة من القرن الماضي، حسم حسن البنا ما لم نتوقف عن الجدال حوله حتى الان، حين رتب دوائر الانتماء المتداخلة وغير المتناقضة، ابتداء من دائرة البيت والاسرة والعائلة والوطن الى الامة العربية ثم الامة الاسلامية وحتى دائرة الاهتمام الانساني؛ دوائر لا تجعل الانتماء للوطن قطرية، وكما أنه للامة ليس انتماء خارجيا، فصنع فكرا واقعيا وليس جدليا، وكان بذلك مصريا تحتل القضية المصرية اولوياته، وفي الوقت نفسه كان عربيا ومسلما وانسانيا.

البنا لا يحتاج إلى من يتعصب له، بل إلى من يقرأه. وهو لا يحتاج الى من يعاديه على بعد 60 عاما من وفاته، فربما تكون الامة بحاجة ماسة الى نهجه وهي تحارب فكر التكفير والتطرف، وظهور قوى تؤمن فقط باستخدام السلاح والتفجير والاحزمة الناسفة، فكثير من الجهد نبذله جميعا لإقناع المجتمع بان المسار السليم يتمثل في المشاركة السياسية، والفكر الاصلاحي، والادوات الديمقراطية.

الفترة التي عاشها حسن البنا منذ العام 1906 وحتى العام 1949 لم تكن فترة مستقرة؛ فمصر ودول العالم العربي كانت تحت الاحتلال وقهر الاستعمار، لكنه مع ذلك استطاع ان يقدم الكثير من الفكر والمنهج الذي يحتاج الى ظروف رفاه، من استقرار سياسي وأمني واقتصادي. المشكلة ان القوى الكبرى بقيت تتعامل مع فكره باعتباره نقيضا لوجودها الاستعماري، وانتقلت هذه القناعة الى الانظمة والدول التي بقيت تنظر اليه باعتباره رجلا خارجا على القانون، وليس مفكرا ورجل اصلاح.

من المؤكد ان حسن البنا مثل غيره من المبدعين والمؤثرين، لن يحظى بإجماع الجميع او قبولهم، لكن الضروري هو ان نعترف للمبدع بجهده، حتى وان لم يتفق بعضنا مع افكاره.

sameeh.almaitah@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »مُجدّد القرن العشرين ... يحتاج إلى إعادة إنتاج لفكره العالَميّ... (أيمن العتوم)

    الثلاثاء 14 كانون الثاني / يناير 2014.
    أخي سميح شكرا لك... ولكنّك اختزلتَ الرّجل برجل إصلاح، وهو اختِزال وإنْ كان فيه جانبٌ من الحقيقة لكنّه لا يُغطّيها كاملةً. حسن البنا- حينَ يُجمع كثيرون على أنّه مُجدّد القرن العشرين - يحتاج هذا التّوصيف إلى مَنْ يُفسّر للنّاس قاطِبةً ما معنى كلمة (مُجدّد)...
    مع محبّتي...
  • »انصاف (محمود)

    الاثنين 13 كانون الثاني / يناير 2014.
    احسنت كلمة انصاف بحق امام ..نقول اقرأو له لا عنه ..رحمك الله يا استاذ حسن