ملكة جمال القطط

تم نشره في الجمعة 17 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 03:00 صباحاً

قبل ايام، نُظّمت في دولة الامارات العربية مسابقة لاختيار ملكة جمال القطط، شاركت فيها حوالي 30 قطة من دول عديدة، فشاهد الحضور انواعا من القطط من مختلف البلاد، ثم قامت لجنة (او لجان) التحكيم باختيار الفائزات بكل شفافية ونزاهة.

قناة العربية الفضائية بثت، قبل ايام، تقريرا مصورا حول هذه المسابقة، وكانت المفاجأة السارة ان الفائز بالمراكز الثلاثة الاولى هو مواطن اردني يملك مجموعة من القطط جاء بها الى الامارات فحصدت المراكز الاولى، وحققت الانتصار الكبير!

وقد تضمن التقرير التلفزيوني عرضا لبعض القطط المشاركة ومواطن جمالها. كما شاهد الناس معرضا لأدوات القطط؛ طبعا ليست القطط او "البساس" التي نشاهدها في الشوارع والحاويات، بل القطط البرجوازية، إذ هي ادوات للدلال.

احدى السيدات التي شاركت في المسابقة بإحدى القطط قدمت للمشاهدين شرحا سريعا عما تقدمه من عناية لقطتها، مثل الاستحمام اليومي، وتمشيط الشعر لان شعر قطتها طويل، اضافة الى تقليم الاظافر؛ ولم يتح لها الوقت لتقديم شرح اكثر تفصيلا عن الرعاية التي تقدمها للقطة.

وقبل سنوات، بثت احدى الفضائيات تقريرا حول مسابقة لاختيار ملكة جمال الماعز اقيمت في احدى الدول الخليجية! وشاهدنا لجان التحكيم تعاين الماعز، وتتعرف على مواطن الجمال فيها.

لكن الطريف ان البشر المهتمين بالبحث عن جمال القطط او الماعز او الهجن، ويسافرون من بلد الى آخر، وينفقون الاموال لشراء القطط وتقليم اظافرها، وتنظيف الماعز، هؤلاء البشر تقابلهم هذه الحيوانات بلا مبالاة؛ فبعض القطط يقابل كل هذا الاهتمام البشري وحشد الكاميرات بالنوم، إذ هي لا تملك القرار في ان تشارك في هذه المسابقات، فلا يختلف حالها هنا عن بشر يجبرون على سياسات او حتى حروب ليست خيارهم، لكنهم يدفعون ثمنها.

منطق الاشياء يقول ان سلم اولويات واهتمامات اي انسان ينتقل من مرحلة الى اخرى، فاذا حصل على المستوى الاول انتقل الى اولوية اخرى. ولهذا، فمن يتفرغ لتربية القطط والعناية بها، والسفر بها من دولة الى اخرى، او انفاق مبالغ كبيرة لتقديم طعام خاص لهذه القطط، وتوفير مواد تنظيف ومستلزمات خاصة، هؤلاء الناس ليس لديهم حاجات اساسية مفقودة.

وبعض الناس العاديين يربون القطط تربية غير برجوازية، إذ تسرح القطة في الشارع والبيت، لكن لها الحق في دخول الغرف والنوم فيها، أي أنها تعيش حياة بمستوى حياة اصحابها؛ فلا تقليم لأظافرها، او شراء طعام من المجمعات التجارية الكبيرة، بل قد تحصل على "عظمة" من دجاجة الجمعة. وفي زمن بعيد، كانت العائلة التي تدلل قطتها تأتي لها "بأرجل" الدجاج من محل الدواجن، أما اذا توفرت قطع اخرى فهذا من الرفاهية.

بعد فترة من مسابقة جمال القطط، بثت الفضائية ذاتها تقريرا عن أزمة السكن في مصر، وكيف ان الفقر وضيق اليد دفعا ببعض العائلات المصرية الى السكن في قوارب الصيد الموجودة في نهر النيل. وكما شاهدنا قططا مدللة، فقد شاهدنا عائلات تطبخ في القارب وتنام فيه، كما انها تشكو من حملات التفتيش التي تقوم بها الشرطة هناك على رخص الصيد الممنوحة للصيادين. فيما كانت اذاعة "أم بي سي" (MBC) ذكرت ان فندقا من ذوي النجوم الخمسة سيتم انشاؤه في الامارات وهو مخصص لإقامة القطط والكلاب، وسيتم الانتهاء منه خلال عامين.

لن نحمّل اصحاب القطط المدللة مسؤولية فقر الشعوب ومشكلاتها الحياتية، لكن ما نتمناه، بل ما نحلم به، هو ان نجد مشاهد متجانسة مع واقع أمتنا، او على الاقل داخل اطار الدولة الواحدة؛ فليس المطلوب ان يدفع اهل المال ثرواتهم، لكن بنية المجتمع، أي مجتمع، يُفترض ان تكون فيها مسافات مفهومة ومعقولة.

sameeh.almaitah@alghad.jo

التعليق