دور الاتحاد الأوروبي في أفعانستان

تم نشره في الجمعة 17 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 03:00 صباحاً

الوقت يمضي سريعاً، وقد بات النجاح في أفغانستان أبعد منالاً من ذي قبل. وربما تكون قمة حلف شمال الأطلسي المقرر انعقادها في الفترة من الثامن والعشرين إلى التاسع والعشرين من تشرين الثاني، هي الفرصة الأخيرة لانتشال هذا البلد من على حافة الهاوية.

في شهر تشرين الأول الماضي، تعهدت منظمة حلف شمال الأطلسي بتوفير الأمن في كل أنحاء أفغانستان. وبينما يعمل 8000 جندي من إجمالي قوات الولايات المتحدة في أفغانستان (والتي بلغ تعدادها عشرين ألفاً) بصورة مستقلة، فقد انضمت بقية القوات إلى أكثر المغامرات العسكرية طموحاً في تاريخ حلف شمال الأطلسي، أو ما يسمى بـِ"قوة المساعدة الأمنية الدولية" (إيساف ISAF).

فقد أرسلت كل دولة من الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي قوات إلى أفغانستان، وكذلك فعلت 11 دولة أخرى. بعض هذه الدول، مثل؛ مقدونيا وفنلندا، ينتمي إلى "شراكة التحالف من أجل السلام"، فيما ينتمي بعضها الآخر، مثل؛ أستراليا وكوريا الجنوبية، إلى كيانات أخرى. ويعمل الجنود التابعون لدول مختلفة وكأنهم ينتمون إلى وحدة واحدة متشابهة الأساليب، ومتوافقة المعدات، ومتكاملة المهارات، ولها نفس الأهداف. وقد أثمر، أخيراً، نصف قرن من العمل الجماعي، علاوة على عقد ونصف العقد من التكيف مع التهديدات والمطالب الجديدة.

لكن المؤسف في الأمر أن القوات الأجنبية العاملة في أفغانستان، والتي بلغ تعدادها أربعين ألف جندي، ليست كافية. ذلك أن بضعة أقاليم أفغانية، بما في ذلك المناطق الواقعة على طول أجزاء من الحدود مع باكستان وملاجئها التي تحتمي فيها قوات طالبان، لا تحتوي إلا على عدد ضئيل من قوات "إيساف" أو فرق إعادة الإعمار المحلية، أو لا تحتوي على أي منهما على الإطلاق!

فضلاً عن ذلك، فإن وسائل النقل الجوية والبرية، التي بلغت درجة هائلة من السوء، تحد من القدرة على تحريك القوات المتحاربة إلى أشد الأماكن احتياجاً إليها. وبادر عدد كبير من الدول، بما فيها الدول الأعضاء في منظمة حلف شمال الأطلسي، إلى فرض "قيود دولية" تنص على الأماكن التي يمكن نشر قواتها فيها، وعلى المهام التي يمكن تكليفها بها. وعلى هذا، يصبح لزاماً على القادة، قبل القيام بأي عملية، أن يقرروا أي القوات تستطيع أن تشارك، وإلى أي مدى؛ الأمر الذي يؤدي إلى إضعاف كفاءة وفعالية العمليات. إلا أن منظمة حلف شمال الأطلسي تستطيع أن تحرز نجاحاً كبيراً في أفغانستان إذا كانت الجهود التنظيمية، والمدنية، والموارد الخارجية تعادل ما يوفره الحلف.

غير أنه مما يؤسف له هو عدم توفر أي نوع من التوجيه المركزي، أو حتى التنسيق للجهود المدنية. وعلى الرغم من الجمعيات الأهلية غير الحكومية التي تؤدي مهمتها بصورة فعالة، إلا أن المسؤوليات الموزعة على الدول الأوروبية المختلفة -مثل مساعدة الحكومة الأفغانية في فرض القانون والقضاء على زراعات الأفيون- تعاني من التقصير، سواء من حيث المتطلبات أو الوفاء بالوعود.

فقد ارتفع إنتاج الأفيون إلى حد هائل، في نفس الوقت الذي تخلفت فيه التجارب الخاصة بالتحول إلى محاصيل بديلة؛ هذا فضلاً عن الافتقار إلى القوات اللازمة لتوفير الأمن للمزارعين المستعدين لمحاولة زراعة محاصيل مختلفة. وهذا يعني أن حركة طالبان تتمكن من جمع أرصدة وفيرة من تجارة الهيروين، المصدر الأكبر للمكاسب الخارجية في أفغانستان. والحقيقة أن ما يضخه مدمنو المخدرات في الغرب من أموال في الاقتصاد الأفغاني يفوق ما تقدمه الحكومات الغربية إليه.

إن قصور الجهود المدنية، وامتناع الحكومة الأفغانية أو عجزها عن توفير الحكم الجيد، من بين المشاكل الرئيسة التي تثقل كاهل البلاد. وتفسر هذه العوامل إلى حد كبير عودة طالبان إلى الحياة من جديد، وحالة عدم اليقين التي أصابت العديد من الأفغان فيما يتصل بالطرف الذي ينبغي عليهم أن يناصروه.

لقد "راهنت" منظمة حلف شمال الأطلسي على أفغانستان، ولن يكون لأي قدر من "التحول" أو "الشراكة"، أو أي شيء آخر، أهمية تذكر إذا ما فشل الحلف للمرة الأولى في تاريخه، حتى لو لم يكن هذا الفشل من صنعه.

والالتزام الراسخ في ريجا بتوفير المزيد من القوات والمعدات لقوة "إيساف"، وتقليص "القيود" الوطنية، لا بد وأن يشكل جزءاً من الحل؛ إلا أن زعماء التحالف لا بد وأن يعملوا أيضاً من منطلق علمهم بافتقار منظمة حلف شمال الأطلسي إلى المهارات، أو الموارد، أو الخبرة اللازمة لتولي المسؤولية كاملة في أفغانستان، والوفاء بمتطلباتها من المساعدات المدنية الخارجية. ومن ثم، فلا بد وأن تنتمي هذه المهمة إلى الاتحاد الأوروبي، المؤسسة الوحيدة التي تمتلك الإمكانات المجمعة، والمهارات، والموارد -بل وربما القيادة- اللازمة لتخفيف الأعباء عن كاهل منظمة حلف شمال الأطلسي وقوة "إيساف".

وعلى الرغم من كل ما سبق، ما زال الاتحاد الأوروبي محجماً. فالمعارك التافهة مع المنظمة تعرقل الجهود، فضلاً عن المنافسة بين اللجنة التنفيذية للاتحاد الأوروبي والمجلس المكون من الدول الأعضاء. بل وعلى الرغم من أن 19 من الدول الأعضاء في منظمة حلف شمال الأطلسي الـ 26 تنتمي إلى الاتحاد الأوروبي، إلا أن الزعماء والقيادات البيروقراطية في أغلب هذه الدول كانت عازفة عن دعم قواتها بالموارد الاقتصادية اللازمة.

ويتعين على منظمة حلف شمال الأطلنطي في قمة ريجا أن تفرض على الاتحاد الأوروبي الالتزام بحصته اللائقة من المسؤولية من أجل تحقيق النجاح في أفغانستان. وهذا يتطلب من الاتحاد الأوروبي أن يساهم بالمال، والقوة البشرية على المستوى اللائق بقوة "إيساف"، والمشاركة المتساوية مع منظمة حلف شمال الأطلسي.

من قبيل المصادفة هنا أن فنلندا تتولى الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي الآن، ويستطيع رؤساء الدول التابعة لمنظمة حلف شمال الأطلسي ورؤساء وزاراتها أن يعبروا ببساطة بحر البلطيق من ريجا إلى هلسنكي لمشاركة الاتحاد الأوروبي في قمة أفغانستان. وقد تحتج واحدة أو اثنتان من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بأن هذا من شأنه أن يشكل خلطاً مؤسسياً، إلا أنه بالنسبة للأوروبيين الذين يطالبون بوضع متساو لسياسة الاتحاد الأوروبي المشتركة، فيما يتصل بالشؤون الخارجية والأمن، مع منظمة حلف شمال الأطلسي، فهذا هو الوقت المناسب للتحرك أو الصمت إلى الأبد.

وحتى إذا ما امتنع الزعماء عن المشاركة في اجتماعات لن تدوم أكثر من نصف يوم للتعامل مع أخطر تهديد يواجه مستقبل منظمة حلف شمال الأطلسي، فإن قمة ريجا تكفي لمطالبة الدول الأعضاء المشتركة في الاتحاد الأوروبي والمنظمة، وبقية دول الاتحاد الأوروبي، بالموافقة على تحمل مسؤوليات مشتركة في أفغانستان.

إن وجود منظمة حلف شمال الأطلسي في أفغانستان يرجع بدرجة كبيرة إلى المخاوف المشتركة بشأن الإرهاب. إلا أن المنظمة تتحرك أيضاً بدافع من رغبة بعض الدول الأوروبية في استعراض ثقلها الأمني أمام الولايات المتحدة، حتى على الرغم من رفضها الاقتراب من الحرب في العراق.

إن كافة الدول الأعضاء في منظمة حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي ترغب في بقاء الولايات المتحدة على التزامها فيما يتصل بمستقبل أوروبا، وأن تتولى الريادة في مناطق أخرى تتصل بالوفاء بالمتطلبات الأمنية التي يتفق عليها الجميع، وأن تسمح لأوروبا باستعادة ثقتها الاستراتيجية. وهذا يتطلب دعم الاتحاد الأوروبي في تورطه العميق في أفغانستان، كجزء أساس من مساهمة هذه الدول في إصلاح التحالف الأطلسي.

روبرت ئي. هنتر سفير الولايات المتحدة لدى منظمة حلف شمال الأطلسي في الفترة من العام 1993 إلى العام 1998، وكبير مستشارين لدى مؤسسة "راند"، التي هي منظمة بحثية لا تسعى إلى تحقيق الربح.

خاص بـ"الغد"، بالتنسيق مع بروجيكت سنديكيت، 2006

التعليق