المجلس الاقتصادي واخوانه!

تم نشره في الأربعاء 15 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 03:00 صباحاً

بعض الاحداث تستدعي قسرا من الذاكرة احداثا وتجارب سابقة، ولهذا كلما تابعت هيئة ملتقى كلنا الاردن تذكرت تجربة المجلس الاقتصادي الاستشاري، فتلك التجربة ظهرت باعتبارها آلية للتفكير وتقديم المشورة والتوجهات الى صاحب القرار؛ ولأنه مجلس يتبع للديوان فإنه اخذ مكانة جعلت حتى الحكومة، التي ترى فيه تدخلا في عملها، تمارس الصمت، لكن مع بعض المناكفة والحرب الباردة.

ودخل المجلس الاقتصادي مراحل فرض فيها استراتيجيات ومشاريع قوانين وافكارا كبرى؛ كفكرة منطقة العقبة الخاصة، ولم يكن امام الحكومة ومجلس النواب الا الفرح واستقبال نتائج اعمال المجلس حتى، وان كان الامر شكليا، ولا يعبر عن الموقف الحقيقي، وقد أظهرت الحكومة، انذاك، موقفا واضحا من فكرة العقبة، وقيل حينها ان هذا كان من اسباب رحيلها.

المهم في الموضوع ان المجلس قيل في اهميته الكثير، وكتب عن دوره الاستراتيجي، ما لم يقل في غيره، وجاء بأشخاص جدد، وبقي يعمل حتى انتقل القائمون عليه والمحسوبون عليهم الى الحكومة، وفجأة اختفى المجلس وتحول الى تاريخ، واكتشف ان الاردن يمكنه العيش من دون المجلس، وان الحكومة لا تحتاج الى افكاره واقتراحاته.

بعد ذهاب المجلس ظهرت الى جانب الحكومة آنذاك، ومع مجموعة المجلس ذاتها، فكرة برنامج التحول الاقتصادي والاجتماعي، وقيل فيه الكثير من الشعر حول اهميته في حل مشكلات البلاد والعباد، وكان بمثابة موازنة موازية وبرنامج عمل موازٍ. وتحول هذا البرنامج الى جدل لم يتوقف بتقرير اللجنة النيابية التي شكلت لدراسته وبحث جدواه ومساره المالي.

تجارب سابقة تجعلنا كأردنيين نخشى ان تكون فكرة الهيئة التي تحظى الآن برعاية ومكانة لا تختلف عما سبق، وقد نصحو يوما وقد دخل اهل هيئة كلنا الاردن الحكومة عبر تشكيل جديد، ونصبح نتعامل مع الهيئة باعتبارها شيئا من الماضي، ويصبح ما نسمعه الآن عن دورها في مواجهة التحديات الداخلية والاقليمية وبناء المستقبل مثلما نسمع عن احداث مضت، ويتم دفن الفكرة بهدوء، تماما مثلما دفنا المجلس الاقتصادي.

لا يلدغ المؤمن من مجلس او هيئة مرتين. وما نتمناه ان لا تكون هذه الافكار ادوات نفوذ وتأثير لبعض الاطراف. فإذا جاء النفوذ عبر الحكومة انتهى دور الاداة، وسبب الانتهاء لدورها معروف لأن اي هيئة او مجلس تصدر مشاريع قوانين او استراتيجيات او اشباه قرارات تمثل مصدر ازعاج لأي حكومة ومجلس نواب؛ فما تفعله هو من صلاحياتهما، ولا يقلل من هذا الازعاج الانصياع السياسي من الحكومات لهذه الافكار، فحكومات تواجه هذا الحال بمناكفة واخضاع ما يأتيها الى دراسة طويلة لتضييع الوقت، واخرى تبدي استسلاما تجنبا لوجع الرأس وترجئ المواجهات الى اشكال صامتة.

كنا وما نزال متحمسين لفكرة ملتقى "كلنا الاردن" بكل مستوياته ، فهو في حده الادنى فرصة لتواصل الناس والفعاليات وممارسة النقاش والحوار وطرح القضايا بصراحة وصوت مرتفع، وان تصدر التوصيات وتعطى للحكومات لتبنيها وتحويلها الى برامج وقوانين وقرارات، فهذا امر معقول، لكننا نخشى دائما من تحول هذه الآليات الى مسارات نفوذ، او الى افكار تنتهي وتتلاشى عند امتلاك القائمين عليها ادوات نفوذ اخرى.

ما يثير العجب ان نعظم قيمة هذه الهيئة بينما لا نحسم امرنا في استمرار مؤسسة دستورية مفصلية وهي مجلس النواب، الذي لا يعلم الاردنيون ان كانت انتخاباته ستجري في موعدها الدستوري ام لا! ومثير للدهشة ان يعطى للهيئة - وهي جهة لا تملك اي صفة تمثيلية، لا للناس ولا للقوى السياسية والاجتماعية بل محصلة اختيارات وتنسيب شخصي- كل هذا الدور في مواجهة التحديات وبناء الاردن، بينما نشهد ضعفا متزايدا في بنية الحكومات وضبابية في وجود السلطة التشريعية التي تخضع للتحزير في الاستمرار او الحل والتمديد والانتخاب الجديد.

الافكار والهيئات والمجالس التي يعهد اليها بالمهام الكبيرة تفقد اهم مقومات وجودها اذا تحولت الى عمل نخبوي، تقوم وتزول وفق معايير ومصالح البعض، ولأنها كذلك فإن وجودها او غيابه لا يحس به الا هذه النخب، ولهذا ايضا لا تحقق ما يقال عن دورها، ولا يقتنع الناس ان ظهورها اضافة نوعية وغيابها انتكاسة لمسيرة الدولة.

sameeh.almaitah@alghad.jo

التعليق