دور أردني

تم نشره في الثلاثاء 14 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 03:00 صباحاً

منذ حين والحديث يتزايد عن الدور الاردني الحالي او المفترض في المسار الفلسطيني. وفيما يسمع اصحاب القرار احيانا نقدا من البعض بسبب غياب هذا الدور، يسمعون في احيان أخرى مطالبات من بعض اخر بان يحافظ الاردن على المسافة الحالية من الشأن الفلسطيني الداخلي، خوفا من سوء التفسير. واحيانا، تكون هناك المطالبة بتدخل جريء، وحضور قوي، والمبرر ان ما يجري في الاراضي الفلسطينية من تطورات داخلية او على صعيد مسيرة التسوية يؤثر على امن الاردن واستقراره.

والانسحاب الاردني من الساحة الفلسطينية اخذ شكلا مؤسسيا من خلال القناعة بضرورة الاكتفاء بدور الداعم والمتضامن مع القضية الفلسطينية، عبر دعم السلطة الفلسطينية، واعتبار اقامة الدولة الفلسطينية القابلة للحياة مصلحة استراتيجية اردنية لكونها نقيضا لفكرة الوطن البديل، والسبيل لإعطاء الشعب الفلسطيني حقه السياسي والوطني.

وهذا الوضوح في الموقف تمت بلورته منذ تولى جلالة الملك سلطاته الدستورية، فتم تجفيف كل العلاقات الاردنية مع غير السلطة، بما في ذلك حركة حماس التي تم ايقاف نشاطها المعلن في عمان، وخرجت قيادتها الى قطر ودمشق.

واذا اردنا تحديد الدور الاردني الحالي، فهو باتجاه السلطة الفلسطينية، ودعم بقاء عملية السلام مستمرة على المسار الفلسطيني، اضافة الى دور تضامني عبر قوافل المساعدات الطبية والانسانية، واقامة مستشفيات ميدانية في الضفة.

وفي الازمة الفلسطينية الاخيرة التي تركتها الانتخابات بمجيء حكومة حماس وتوقف التسوية، انحاز الاردن بشكل واضح الى السلطة الفلسطينية والرئيس محمود عباس، لاسباب مرتبطة بحسابات اردنية، ودعما للتسوية وخطها الذي يدعمه الاردن ويحرص على استمراره، وتمثله رئاسة السلطة وحركة فتح.

وربما ذهب البعض الى القول ان ثمة تحالفا قائما الان بين الاردن ورئاسة السلطة وحركة فتح، ما يشكل عائقا امام دور اردني لان الاردن ليس طرفا محايدا. لكن اذا عدنا الى خريطة الادوار المؤثرة، فان مصر هي صاحبة الدور الاكبر، لان كل الاطراف لها ضباط ارتباط يتشاورون مع المخابرات او الخارجية او الرئاسة المصرية، وهناك علاقات مع الجميع لا يجرؤ اي طرف فلسطيني على التخلي عنها، حتى عندما "تعاقب" الحكومة المصرية بعضهم او تعلن عدم رضاها عن نهج حكومة حماس. فمصر حافظت على كل العلاقات، والاطراف الفلسطينية كلها تدرك انها لا تستغني عن مصر.

وهناك أيضا دور يمكن وصفه بالاضطراري لسورية مع حماس، وما كان يسمى قوى المعارضة الفلسطينية، بحكم الاستضافة والتقاء بعض المصالح، لكن الفصائل، وبخاصة حماس، تضع العلاقة مع مصر على رأس اولوياتها، وبدرجة اهم من العلاقة مع سورية وايران.

اما السعودية، فهناك علاقة هادئة لا يمكن وصفها بالتحالف او الدور، لكنها استمرار لعلاقة قديمة شعبية برعاية رسمية مع حماس، وموقف رسمي داعم للسلطة، وقبلها لمنظمة التحرير، كجزء من دعم الشعب الفلسطيني. والسعودية لا تبحث عن دور، لكنها تحرص على ان تكون لها كلمة مسموعة لدى كل اطراف المعادلة الفلسطينية.

وهناك الدور القطري الذي احكمت القيادة القطرية صياغته على ارضية من المنافع والمصالح التي قدمتها لحركة حماس، والعلاقة الشخصية القوية بين محمود عباس وقطر.

في ضوء ما تقدم، فان مطالبات البعض بدور اردني يفترض ان يرافقها تعريف للدور المطلوب: فهل هو ما يتم الحديث عنه، احيانا، في وسائل اعلام غربية واسرائيلية، ويقوم على ان يكون الاردن جزءا من ادارة الضفة الغربية وحكمها في الحل النهائي، او في حال دخول الوضع الفلسطيني حالة فوضى؟ ام هو دور يقترب من الدور المصري، الامر الذي اصبح صعبا بسبب غياب ادواته، سواء من ناحية العلاقة مع كل اطراف الساحة الفلسطينية، او موقف هذه القوى من الاردن؟ ام هو دور مع القوى الاجتماعية الفلسطينية، من مخاتير وعائلات تقليدية وشخصيات مستقلة، مع أن العلاقة مع هؤلاء، على اهميتها، لا تمثل دورا، بسبب التسييس الكبير للساحة الفلسطينية والتوزيع الفصائلي؟!

الدور السياسي لأي دولة لا تقرر الدولة امتلاكه او هدره في اي وقت، بل هو محصلة ادوات وفعل وعلاقات. ولهذا، فالامر ليس مرتبطا بقرار ان يكون الدور او يغيب. ولعل التجربة التاريخية للاردن مع القضية الفلسطينية تجعل من الضروري ان يحتفظ الاردن بعلاقات حسنة وقوية مع كل مفردات الساحة الفلسطينية، ما يشكل ارضية لاي تحرك او قرار او علاقة مستقبلية. والامر الاخر هو ان لا نكرر مسارا تاريخيا في التنافس داخل الساحة الفلسطينية، لان هذه الساحة، حتى وان كانت عاجزة -بفعل الموقف الاسرائيلي- عن الوصول الى الدولة المستقلة، إلا أنها غير قابلة للدخول تحت اي وصاية؛ كما ان تعقيدات الوضع تجعل من اي دور امني مساندة للاحتلال، ودخولا في مواجهة مع القوى الفلسطينية.

في ظل السياسة الصهيونية وتعقيدات الحقوق الاساسية، تبدو المصلحة الاردنية والفلسطينية في تعزيز فك الارتباط السياسي، وليس الشعبي والاجتماعي، حفاظا على الهوية الفلسطينية والحقوق الاساسية، وحفاظا على المصالح الاردنية العليا. فلا دور يقوم على التنافس او الدخول في ادوار ومهمات امنية او سياسية، او حتى التحول الى طرف في معادلات الاستقطاب الفلسطيني الداخلي؛ هذا اذا سلمنا ان بإمكاننا ان نقرر نحن دورنا، بمعزل عن تعقيدات التنافس الاقليمي والعربي.

sameeh.almaitah@alghad.jo

التعليق