منار الرشواني

استعادة روح الانتفاضة الأولى

تم نشره في الاثنين 13 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 03:00 صباحاً

عقب المجزرة الإسرائيلية بحق مدنيين فلسطينيين في بيت حانون بغزة يوم الأربعاء الماضي، تعهد خالد مشعل، رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، بأن تكون إدانة الحركة للمجزرة بالفعل لا بالقول، عبر جناحها العسكري؛ فيما دعا الأمين العام لحزب الله، حسن نصرالله، إلى مدّ الفلسطينيين بالمال والسلاح لتكرار "مشهد الانتصار الكبير الذي حصل في لبنان". وإذا كانت مجزرة بيت حانون كافيةً بحد ذاتها لتوقع هكذا مواقف، وسواها مما يندرج في ذات السياق، فإن حقيقة أن هذه المجزرة ليست إلا واحدة فقط من مجازر عديدة ارتكبتها إسرائيل بحق الفلسطينيين، تجعل من هذه المواقف منطقية تماماً، إن لم تكن ضرورية.

لكن الواقع أن هذه المنطقية والضرورة، تبدوان فقط من الناحية العاطفية لا غير، ليكون المنطقي العقلاني والضروري فعلا، حقناً لدماء الفلسطينيين ودعما لقضيتهم، هو النقيض تماماً، أي ما كان يُنادى به منذ انطلاق الانتفاضة الأقصى في العام 2000، وهو "إنهاء عسكرة الانتفاضة"، والتوجه بالتالي إلى ما يعرف بـ"أساليب الصراع اللاعنيفة"، ومن جانب واحد دونما انتظار موقف إسرائيلي مماثل.

لكن لماذا يقبل الفلسطينيون اليوم ما رفضوه منذ العام 2000 على الأقل وحتى الآن، ولا سيما عقب مجزرة من حجم مجزرة (أو مجازر) بيت حانون؟

في العام 1989، كتب جين شارب، مدير برنامج العقوبات غير العنيفة في مركز العلاقات الدولية بجامعة هارفارد، ورئيس مؤسسة ألبرت أينشتاين (لـ"اللاعنف")، معلقا على الانتفاضة الفلسطينية الأولى: "بالرغم من البيانات الإسرائيلية المتكررة ضد العنف الفلسطيني، فإن هناك عدة إشارات على أن المسؤولين الإسرائيليين يفضلون التعامل مع العنف الفلسطيني على التعامل مع النضال بلا عنف". وبعبارة أوضح، فإن أحد أهم الأهداف الإسرائيلية، إن لم يكن الهدف الرئيس من وراء ارتكاب هذه الفظائع -منذ انطلاق الانتفاضة الأولى في العام 1987، وليس منذ بدء انتفاضة الأقصى فقط- هو دفع الفلسطينيين إلى اللجوء إلى العنف الذي يوفر للجيش الإسرائيلي الغطاء الأخلاقي والقانوني للتنكيل بالشعب الفلسطيني، والإجهاز على مقاومته باستخدام أكثر الوسائل وحشية. وهذا ما يجعل مطلب وقف العنف بشكل متبادل مع إسرائيل هو المستحيل بعينه.

وتبني مبدأ نابوليون "لا تفعل أبدا ما يريده عدوك أن تفعله، فقط لأنه يريد ذلك"، لا يبدو غاية بحد ذاته، أو لحقن الدماء الفلسطينية فحسب، بل هو، من ناحية أخرى، الطريق المثلى لتحقيق الأهداف الوطنية الفلسطينية؛ وإن كان ثمة من حاجة إلى دليل فهو موجود في التاريخ الفلسطيني نفسه وليس سواه.

فالانتفاضة الفلسطينية الأولى التي راح ضحيتها 1550 شهيدا فلسطينيا (مركز المعلومات الوطني الفلسطيني)، في مقابل 90 قتيلا إسرائيليا فقط (منظمة بتسيلم الإسرائيلية)، كانت العامل الحاسم، رغم سمتها غير المسلحة، في إنشاء السلطة الوطنية الفلسطينية، والتي أيا كان الموقف منها ومن الاتفاقات التي تأسست بموجبها، فإنها تظل نقطة اللاعودة عن الاعتراف الدولي بحق الفلسطينيين في دولة مستقلة على أرضهم المحتلة منذ العام 1967.

أما منذ انطلاق انتفاضة الأقصى في العام 2000 وحتى 30 تشرين الاول الماضي، فقد ارتفع فعلا عدد القتلى الإسرائيليين إلى 1011 قتيلا إسرائيليا، لكن زاد أيضاً عدد الشهداء الفلسطينيين الذي سقطوا بيد قوات الاحتلال أو المستوطنين الإسرائيليين إلى 3898 شهيدا (منظمة بتسيلم الإسرائيلية)، والأهم هو السؤال: ماذا كانت النتيجة بالنسبة للفلسطينيين؟ الإجابة معروفة ومؤلمة.

يجب أن يكون واضحا أن اللاعنف، أو "إنهاء عسكرة الانتفاضة" ليس هزيمة أو تعبيرا عن ضعف، بل هو شكل أو أسلوب لا يقل عن "العسكري" -إنما الأكثر ذكاء وفق معايير المكاسب والخسائر- ضمن أساليب النضال، ليكمل المسيرة الفلسطينية السابقة نحو تحقيق ذات الأهداف الوطنية. وهو سيكون الأكثر مضاء في حال توفير شروط نجاحه.

وإذا كان من حديث عن شروط نجاح "سلاح اللاعنف" أو "اللاعسكرة"، فلا بد من القول إن روح الانتفاضة الأولى لم يكن قوامها اللاعنف فقط، إذ إن فاعلية هذا الأسلوب من النضال ما كان ليحقق أي نتيجة لولا الركن الثاني، وهو الوحدة الوطنية التي مكنت من إدارة الانتفاضة بانضباط وفق هذا الأسلوب الأمثل. ما يستدعي أن تشكيل حكومة وطنية لا بد وأن تليه خطة عمل واضحة وصارمة في آن لإلغاء عسكرة الانتفاضة، وتفعيل كل أساليب الصراع غير العنيفة، من احتجاجات واعتصامات وسواها.

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق