ياسر أبو هلالة

جمعية أردنية لمكافحة الخمور

تم نشره في السبت 11 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 02:00 صباحاً

 

بعد أن أتم سنوات السجن في قضية لتهريب المخدرات، قال قاطعا الطريق على نُصحي بالاعتبار والتوبة: "يا ابن عمي، لو شتمت شخصا قد دخن سيجارة حشيشة تحاربها الدولة وتسجن متعاطيها ومروجها وتاجرها لابتسم في وجهك، وقال لك: سامحك الله! ولو صادفت شخصا شرب ربعية عرق مختوم عليها ختم الحكومة وسلمت عليه لتعارك معك"! الحوار كان طريفا؛ وأجبته فقهيا وصحيا: "فقها كل مسكر خمر، والمخدرات هي نفسها الخمور، وتأثيرها الصحي يتفاوت، وجميعها متلف للصحة والعقل والمال".

وجدت في حججه منطقا، ليس في السماح بالحشيشة علنا كما في دولة مثل هولندا، والسماح بها ضمنا كما في كثير من الدول العربية، وإنما في اتخاذ خطوات جدية لمكافحة الخمور. صحيح أن النواب الإسلاميين والمحافظين فشلوا غير مرة في تمرير قانون لمنع الخمور، لكن ليس هذا هو السبيل الوحيد لمكافحتها، فالمجتمع المدني بما يملكه من أدوات توعية وتثقيف قادر على التقليل من أخطارها ومضارها، ولا بد من إنشاء جمعية لمكافحتها، تماما مثل الجمعية الأردنية لمكافحة التدخين، فالسماح بالتدخين قانونا لا يلغي دور وسائل الإعلام في محاربته.

جمعية كهذه هي الرد على من حاول تأسيس جماعة لتفجير الخمارات، إذ لا يجوز بحال سفك دم من يقرر اقتراف محرم. ومن يفجّرون سيعتبرون جمعية كهذه مضيعة للوقت، ومهادنة ومداهنة للطواغيت، لكن معارضتهم تهون على كهنة التحديث الذين يعتبرون طقس الخمر شرطا شارطا لدخول معبد الحداثة. وهم، عن عمد، يتناسون أن أميركا، قبلة الحداثيين،  منعت الخمر في دستورها في الثلاثينيات من القرن الماضي. وحتى اليوم، يكافح نشطاء في الغرب، استنادا إلى قناعات مسيحية أو صحية، ظاهرة الخمور. 

سيجد الخمر من يدافع عنه، سواء من يتعاطون قليله أم من يدمنون عليه أم من يعتبرونه حرية شخصية، وفي النهاية فإن قانون الدولة معهم. في المقابل، من حقنا أن نعرف عدد الجرائم التي ارتكبت بسببه، من القتل العمد إلى حوادث السير؛ ومن حقنا أن نعرف تأثيره المدمر على الصحة واقتصاد الأسرة والدولة، وقبل ذلك تأثيره المدمر على النسيج الاجتماعي. فالأسر التي تتباهى بالبار الفاخر، والزجاجات المعتّقة الثمينة، عليها ألا تنسى أسرا يجوع صغارها لتأمين زجاجة حقيرة لمعيل مدمن، كما عليهم ألا ينسوا عنفا داميا يمارسه أزواج وأبناء مخمورون.

أتفق مع المدافعين في أن للخمر "منافع للناس"، وربما تميز الشعر العربي بـ"الخمريات" في أكثر مراحل الحضارة الإسلامية ازدهارا، بل إن أبا نواس (أبرز شعراء العصر الإسلامي العباسي) سخر من شعراء الجاهلية الذين يبدأون قصائدهم بالبكاء على الأطلال والرسوم:

عاج الشقي على رسم يسائله

وعجت أبحث عن خمارة البلد

وفي قصيدة "البردة" التي ألقيت في حضرة النبي عليه السلام وفي مدحه، قال كعب بن زهير في وصف المحبوبة:

تجلو عوارض ذي ظلم إذا ابتسمت

كأنه منهل بالراح معلول

والراح من أسماء الخمر. غير أنني ممن يُتمون الآية "وإثمهما أكبر من نفعهما".

طبعا، جمعية كهذه تغضب أصدقائي ممن على شاكلة أبي نواس، لكنها تظل أرحم بهم ممن يحولونهم أشلاء بدعوى إنكار المنكر. وتظل أرحم بهم من تشمع الكبد الذي أتى على بعضهم، أو تضخمه الذي أتى على بعض آخر.

على كل حال، أدعو من اقتنع بفكرتي إلى التقدم بطلب لتأسيس الجمعية الأردنية لمكافحة الخمور، فالمجتمعات الحية هي التي تحوّل الأفكار إلى برامج ومؤسسات، أو على الأقل أن تشكل جمعية مكافحة المخدرات فرعا لمكافحة الخمور، علّهم يسهمون في توعية أبي نواس!

yaser.hilala@alghad.jo

التعليق