عقاب بوش

تم نشره في الجمعة 10 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 03:00 صباحاً

 

على مدى سنوات جعل فيها العالم مكاناً أقل أمناً وأشد انقساماً وأكثر ظلماً، تمترس الرئيس الأميركي جورج بوش في عقائدية إقصائية تظن أنها تحتكر الحقيقة والمعرفة والسلطة الأخلاقية.

ضرب بوش بعرض الحائط الانتقادات لسياساته. أغمض عينيه عن الآثار المدمرة لها. رفض نصائح الأصدقاء. تجاهل الحقائق. أصر على أن باطله حق. وظنّ الحكمة السياسية حكره وفريقه من المحافظين الجدد.

غزا العراق متحدياً العالم. أطلق لإسرائيل العنان غير آبه بالمآسي التي ألحقتها بالفلسطينيين وبدماريتها على عملية السلام. قال له العالم إن دونالد رامسفيلد، وزير دفاعه، رجل حرب ضيّق الأفق عاجز عن قراءة الواقع. تمسك به وبحروبه.

اختار بوش أن لا يسمع. فالرأي العام العالمي لا يعنيه. وشعوب العالم عاجزة عن مواجهة قوة بلاده وغير قادرة على التأثير على موقعه رئيساً للولايات المتحدة.

النتيجة أن العالم أصبح مكاناً خطراً ينتشر فيه التطرف والحقد وكراهية الآخر. تأزم صراع الحضارات. تمكّن اليأس والقهر فلسطين. صار العراق مستنقعاً أمنياً وسياسياً لا أمن فيه ولا أمان. سارت كوريا الشمالية على طريق صناعة القنبلة النووية. ارتفعت حدة العداء لأميركا في أصقاع العالم كافة.

 لكن بوش ظلّ على موقفه. لا يتراجع عن قرار خاطئ، ولا يراجع سياسة فاشلة.

سيُضطر بوش الى التغيير الآن. فقد قال الأميركيون أول من أمس ما لم ينفك العالم يقوله منذ سنوات: سياساتك فشلت. عاقبه شعبه بهزيمة قاسية في انتخابات أفقدت حزبه الأكثرية في مجلسي الشيوخ والنواب. لم يملك بوش إلا أن يلتفت إلى رأي شعبه. أقال وزير دفاعه، وأعلن رؤية جديدة حول العراق وأنه سيتعامل بجدية مع تقرير وزير الخارجية الأسبق جيمس بيكر حول العراق.

فعل بوش ذلك لأنه أدرك أن وقت دفع فاتورة فشله السياسي دنا. بيد أن استمراره في التراجع عن سياساته غير مؤكد. ذلك مرتبط بما سيفعله الديمقراطيون الذين باتوا الأكثرية في السلطة التشريعية الأميركية.

فقد رفع الديمقراطيون شعارات كبيرة في الحملات الانتخابية. وهم يملكون الآن سلطات دستورية تستطيع أن تضايق بوش في عديد شؤون داخلية وخارجية. لكن إحداث التغيير الجذري المطلوب بالسياسة الخارجية الأميركية مرهون بمدى ترجمة الديمقراطيين شعاراتهم ومواقفهم إلى برامج ورؤى قادرة على تعرية سياسات بوش وتقديم بدائل مقنعة للناخب الأميركي.

سيكون المشهد الأميركي مختلفاً الآن. وستشهد الساحة الأميركية تجاذبات وسجالات حادة. وستزداد حدة هذه السجالات مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية القادمة.

سيجهد الجمهوريون للحفاظ على الرئاسة بعد أن خسروا الكونغرس. وسيحاول الديمقراطيون استكمال انتصارهم. ولأن الانتخابات النيابية كانت في جانبها الأهم استفتاءً على سياسة بوش الخارجية، خصوصاً تجاه العراق، ستكون السياسة الخارجية ميدان الصراع الجمهوري-الديمقراطي. ذلك يعني أن تغييراً لا بد قادمٌ في هذه السياسة. بيد أنه من المبكر الحسم إن كان هذا التغيير سيأتي بالسرعة والإيجابية المطلوبتين.

لكنّ غداً لناظره قريب. وسيظهر قريباً إذا ما كانت الرؤية الجديدة لسياسة بوش في العراق ستعالج، تحت ضغط الديمقراطيين، الخطايا التي ارتكبتها أميركا في الشرق الأوسط ويدفع ثمنها العراقيون والفلسطينيون والسلم الإقليمي والعالمي.

التعليق