هايدر وليبرمان

تم نشره في الخميس 9 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 02:00 صباحاً

 

عندما صعد الفاشي هايدر الى الحكم في النمسا العام 2000، قامت الدنيا ولم تقعد، وكانت هناك حملة إدانة دولية لانتخاب هايدر، الأمر الذي أدى به الى تقديم الاعتذار والتأكيد على التزامه بالمبادئ الديمقراطية الاوروبية. ومع ذلك استمرت الحملة حتى رحل.

وبالفعل، أحسن المجتمع الدولي بأن اظهر عدم تسامح مع وصول الفاشيين إلى الحكم، ويجب ان يستمر ضمير المجتمع الدولي بهذا الزخم ضد التطرف والفاشية أيا كان مصدرها.

وعندما فازت حركة حماس في انتخابات نزيهة وحرة، تحرك المجتمع الدولي ليضع شروطا للتعامل مع الحركة والحكومة التي شكلتها. ولايزال المجتمع الدولي يرفض التعامل مع هذه الحكومة، ويمارس ضغوطا وتجويعا للفلسطينيين لحملهم على استبطان ثمن انتخاب حركة لا تعترف بالاتفاقيات والمعاهدات الدولية، وتنظر إلى الصراع كصراع وجود.

والحقيقة أن هناك تفهما من قبل كثير من العرب لضرورة أن تُجري حماس تحولا سياسيا في برنامجها لكي تتأهل كلاعب في العملية السياسية في حال انطلاقها. هذا بالرغم من ان حماس ليست حركة فاشية على الاطلاق، بل هي تقاوم الاحتلال الاسرائيلي الذي نتفق جميعا على ضرورة انهائه، كمتطلب سابق ومهم للاستقرار والسلام في الشرق الأوسط.

لعبة عديم الخبرة، ايهود أولمرت، القائمة على البقاء السياسي مهما كان الثمن دفعته إلى ضم حزب ليبرمان الذي يتبنى مواقف فاشية واضحة تستحق ادانة دولية. وليبرمان بات يحتل مكانا مهما في الحكومة، إذ هو نائب لرئيس الوزراء، ولم يعد شريكا هامشيا كما كان في الحكومات السابقة. وأذكر هنا مقالا لـ"عكيفا الدار" في صحيفة هآرتس حول انضمام ليبرمان، إذ وصف الأمر بانه أسوأ بكثير من صعود هايدر الى الحكم في النمسا. وهذا اعتراف من كاتب له مكانته في إسرائيل، لكن بالنسبة لاولمرت هو يريد ان تستمر الحكومة بعد اخفاقها الكبير في حرب لبنان، بأي ثمن.

وأهم ما يميز ليبرمان عن غيره من السياسيين في إسرائيل هو صراحته وشفافية فكره، بحيث لا تغدو هناك حاجة الى إعمال العقل لفهم توجهاته المتطرفة! فهو ينادي، على سبيل المثال، بتغيير وإعادة رسم خريطة وحدود اسرائيل، وذلك للتخلص من عرب 48. وهذا الكلام الترانسفيري، والذي ينم عن بنية ذهنية تؤمن بحتمية التطهير العرقي، يؤدي الى دفع الحكومة الإسرائيلية الى اليمين أكثر فأكثر. ولو صدر كلام مشابه عن قائد عربي لانتفضت الدنيا. وفعلا كانت تصريحات الرئيس الإيراني غير المدروسة بشأن انكار المحرقة قد أدت الى ادانة دولية وتعاطف مع إسرائيل.

المشكلة أنه في الولايات المتحدة، وعلى العكس من إسرائيل، لا تجد مقالا واحدا في الاعلام المركزي ينتقد إسرائيل بشكل جارح، خوفا من تهمة معاداة السامية. والحقيقة ان كل الفترة التي سبقت الانتخابات النصفية، التي جرت أول من أمس، لم تشهد جدلا حول سياسة اسرائيل، بل تركزت على العراق وهزيمة الاستراتيجية الأميركية هناك، وكأن إسرائيل لم تساهم في الحشد لضرب العراق، كما بين تقرير جون ميرشايمر وستيفن والت قبل بضعة أشهر. وهذا الوضع ضار بالمصالح الأميركية، ولا يمكن أن يكون صحيا. فبالرغم من أن سياسة الولايات المتحدة المعلنة هي استئناف عملية السلام، بيد أنها لا تتساءل حول الضرر الذي ستلحقه مشاركة ليبرمان في امكانية احلال اتفاقات تحقن الدماء. وكيف ستتصرف الحكومة الاميركية لو أن حماس اعترفت بشروط الرباعية، واعلنت استعدادها لاجراء مفاوضات على أساس رؤية بوش؟! كيف سيتصرف بوش الذي يعاني من أزمة مصداقية في الولايات المتحدة وخارجها؟

كان الأولى أن تتحرك الولايات المتحدة في الوقت المناسب للتأثير على أولمرت لعدم ضم المتشدد والمعادي للسلام ليبرمان. والفرق بين ليبرمان وهايدر هو في الجنسية فقط، وحماس (على الرغم من اختلافنا الشديد معها) هي أكثر أخلاقية منهما بكثير.

hassan.barari@alghad.jo

التعليق