إبراهيم غرايبة

الرؤية العربية لليهود

تم نشره في الخميس 9 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 02:00 صباحاً

 

يجد عزالدين عناية في كتابه "الاستهواد العربي"، والذي صدر مؤخرا في ألمانيا، أن الإنتاج الفكري العربي الحديث عن اليهود واليهودية استغرقه التراث المسيحي عن اليهودية، المليء بالأساطير، والمثقل بتجارب لا علاقة للعرب والمسلمين بها.

وهي مناسبة للتأمل في ضرورة استخلاص رؤية علمية وسياسية للصراع العربي-الإسرائيلي، بعيدا عن العداء الأيديولوجي والإثني بين المسيحيين الأوروبيين واليهود. فعلى سبيل المثال، فإن قضية الهولوكوست متعلقة بالعداء الأوروبي العنصري لليهود ولا علاقة للعرب والمسلمين بها، سواء أكانت صحيحة أم خطأ أو مبالغا فيها، فلماذا ينشغل البعض في تفنيدها أو الدفاع عن النازية والأوروبيين؟ وما المكسب والإنجاز الممكن تحقيقهما إذا أثبتنا أن اليهود لم يحرقوا في المعتقلات النازية؟ فالتجربة العربية والإسلامية مع اليهود تقوم على التعاون والاندماج التام حتى أوائل القرن العشرين.

بدأت المقاربات العربية حول اليهود في أوائل القرن العشرين، وكانت في بدايتها انفعالية ومرتبكة، ثم بدأت في النصف الثاني من القرن تسلك سلوكا منهجيا علميا، وإن كانت في ذلك تيارات عدة، منها  نقدية تاريخية وأثرية ولغوية، وهناك تيارات أخرى شغلت بمحاكمة التراث العبري واليهودي إلى القرآن والسنة النبوية (التيار الدعوي).

وقد قدمت القراءة اللغوية لليهودية، والقائمة على بناء منظومة جديدة، بدراسة وتحليل البنية اللغوية والأسطورية للتوراة، نتائج تبدو صدمة لما هو مستقر في التاريخ والتراث لدى العرب واليهود معا، ومن أهم رواد هذا التيار كمال الصليبي الذي أصدر دراسة مشهورة بعنوان "التوراة جاءت من جزيرة العرب".

وكان الاهتمام العربي بالتلمود قليلا ومتأخرا، واعتمدت القراءة الحديثة على نص مترجم لكاتب ألماني اسمه روهلنغ، ترجمه يوسف نصرالله، ونشر في العام 1899. ولكن عبدالعزيز الثعالبي نبه في "محاضرات في تاريخ المذاهب والأديان" إلى خطأ وخطورة الاعتماد على هذا المصدر المسيحي الوحيد. وأشار إلى أن التلمود ليس مدونة عدائية ضد الإنسانية، بل هو مدونة فقهية دينية، وقال إن قسم المعاملات في التلمود فيه من الأحكام ما لا يختلف كثيرا عما هو مدون في الفروع من الأحكام الفقهية الإسلامية، لكن الفكرة المسيحية التي راجت في فترة العداء المسيحي-اليهودي تسربت إلى العرب في أجواء العداء العربي-اليهودي.

وصورت أعمال عربية عدة الشخصية اليهودية بهالة أسطورية، فتكاد تكون جميع الثورات والانقلابات والحروب التي وقعت من صنع اليهود، وأنهم لجأوا إلى ذلك بدافع من تعاليم التلمود التي تحض على القضاء على غير اليهود، وحكم العالم والسيطرة عليه من أورشليم. وقد وجدت الأدبيات العربية في بروتوكولات حكماء صهيون سندا هاما لمقولات المؤامرة اليهودية على العالم والسعي لإفساده، وهي على الأرجح، كما في دراسة للدكتور عبدالوهاب المسيري، كتبها كاتب روسي معاد لليهودية. 

ولا يبدو للتيار الدعوي ثمة اختلاف بين اليهودي المناهض للدعوة الإسلامية في عهد النبوة وبين الإسرائيلي في القرن العشرين، رغم الفارق الزمني والاختلاف الظرفي بين الحدثين. وأما التيار النقدي، فهو متأثر بانعكاسات حركة اللاسامية، ولهذا فقد جاء البحث في خفايا الشخصية اليهودية تكرارا لتمثلات الفكر الغربي في هذا المجال، والتي ركزت على تحليل سلوكي لليهود قائم على الانطوائية والعنصرية.

وهكذا، فإن العربي الحديث في رؤيته لليهودي يرزح تحت ثقل تراث طويل ومتراكم بفعل العداء المسيحي-الأوروبي، ويتجاهل الظروف التاريخية التي تعرض لها اليهود، وبخاصة في الغرب، ووقوعهم تحت هيمنة سلطوية دينية مغايرة، فرضت عليهم تقسيماتها للفئات الاجتماعية.

وبالطبع، فإن هذه المقالة ليست دعوة إلى تغيير الموقف السياسي من الصراع العربي-الإسرائيلي، ولكنها دعوة إلى التمييز بين قضايا إسرائيل واليهود والصهيونية، وفصل قضية الصراع العربي مع اليهود عن الصراع الأوروبي التاريخي معهم.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق