قبل عام من اليوم (ملحق خاص)

تم نشره في الخميس 9 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 03:00 صباحاً

 

حين كانت بدايات الاخبار على الفضائيات عن تفجيرات فنادق عمان كنت ومجموعة من الزملاء في زيارة للشقيقة تونس، ولعل الانطباعات الاولى كانت اقرب الى عدم التصديق او الدهشة التي ترفض اعتبار ما تسمع حقيقة، ولعل سبب هذا اننا في الاردن لم نعتد على ان تكون ارضنا وبلادنا ساحة لإرهاب من هذا النوع، ورغم المنطق السياسي الذي يفرض توقع اي عمل ارهابي، لكن الاردنيين اعتادوا على امن لم ندرك قيمته لتحوله الى جزء من بديهيات الحياة، تماما مثلما لا يدرك قيمة الماء من يعيش جارا لنبع الماء الدائم.

 وحتى بعدما اصبح الخبر واقعا وتفاصيل فان الكثيرين حتى من الاردنيين كانوا يتعاملون مع الامر باعتباره حدثا في بلد آخر، لكن هذه الانطباعات او المشاعر تركت آثارا ايجابية اهمها شعور الناس ان اي عمل ارهابي ليس امرا حكوميا او يمس الحكومة بل يستهدف الجميع، وتكونت قناعة عميقة بان رفض الارهاب ومقاومته ليس ترفا او عملا اعلاميا او ندوة علماء، فأي اردني او حتى ضيف على الاردن يمكن ان يفقد حياته او بعض جسده او طفلا من اطفاله او قريبا او صديقا، فما فعله ارهاب الفنادق انه قدم عشرات القصص من الضحايا واهاليهم، فكل منهم جاء من بيت وعمل وجامعة، هم من الناس، وسقوطهم وآلام عائلاتهم اسقطت مقولة اهل الارهاب ومزاعمه بانه استهداف لأعداء الامة ومغتصبي حقوقها.

وحين يفقد مدّعو الجهاد البوصلة وتنحرف العقول وتختلط الاحقاد بسوء الفهم يصبح كل الناس خصومهم، ويصبح اي فرد مشروع ضحية، فالقنبلة او الحزام الناسف او السيارة المفخخة حين توضع على ناصية شارع او داخل مطعم او مدرسة او فندق لا يمكن الادعاء انها لاسترجاع الحقوق الضائعة وعقاب للقوى الخارجية المعتدية، ولا يقبل القول ان عقاب المعتدين يتطلب التضحية ببعض الضحايا، لان من يريد قتل الاعداء لا يدخل اماكن الآمنين وبيوت الابرياء واعراسهم ومدارسهم وشوارع المدن الآمنة.

رغم كل الخسائر ودماء الضحايا من الاردنيين والعرب والاصدقاء الا ان هذا الاجرام صنع قناعة عميقة لدى الجميع بان الارهاب تهديد لكل منا فضلا عن التهديد للدولة ومؤسساتنا، وصنعت هذه الاحداث مسافة واضحة بين الارهاب والمقاومة، وان من يدعي المقاومة لا يملك الحق للخلط وممارسة قناعات غير سوية وتفسيرات مشوهة للدين والسياسة والعلاقات الانسانية.

وما كسبناه رغم المرارة اكتشاف طاقة وطنية كامنة في التماسك وفطرية التعبير عن الارتباط بالاردن ومصالحه وامنه، فالامن لم يعد امرا رسميا بل مصلحة شخصية، فاذا ضاع امن الوطن لا يمكن بعده الحديث عن امن اي فرد او مؤسسة او جهة.

 قدرات الدول والمجتمعات ليست في منع الشر او اقتلاعه، بل في تجاوز المحن ومنع تحول تسرب الشر الى بؤرة ضعف او ثغرة دائمة في مسيرة الدولة، فكيف اذا كان لدى بعض الدول قدرة على استثمار الشر الى مواطن خير وقوة.

التعليق