دلالات في استطلاعات الرأي العام (ملحق خاص)

تم نشره في الخميس 9 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 03:00 صباحاً

 

في صيف العام 2005، وقبيل فترة وجيزة جدا على الهجمات الإرهابية على الفنادق الثلاثة في عمان، بدت الصورة كما أظهرها استطلاع "بيو للاتجاهات العالمية" (2005 Pew Global Attitudes Survey) هي بالمجمل "تراجع دعم الإرهاب بشكل عام مقارنة بـ(استطلاع) العام 2002 في ست دول ذات أغلبية إسلامية هي؛ أندونيسيا، والأردن، ولبنان، والمغرب، وباكستان، وتركيا".

إلا أنه ضمن المؤشرات التي اعتمدها ذلك الاستطلاع، وهي: (1) الموقف من التفجيرات الانتحارية وأشكال العنف الأخرى التي تمارس ضد مدنيين؛ (2)  الموقف من التفجيرات الانتحارية التي تمارس ضد الأميركيين والغربيين في العراق؛ (3) والموقف من أسامة بن لادن؛ بدا ملفتا للنظر أنه فيما تراجعت الثقة ببن لادن في أربع دول، فقد تصاعدت شعبيته في كل من الأردن وباكستان! إذ فيما كانت نسبة المستطلعة آراؤهم في الأردن الذين عبروا عن ثقتهم ببن لادن في أيار 2003 قرابة 56%، ارتفعت هذه النسبة إلى 61% في العام 2005، والتي تقترب كثيرا من نتيجة استطلاع للرأي كان قد أجراه مركز الدراسات الاستراتيجية بالجامعة الأردنية في العام؛ 2004، عندما وصف 66.8% من الاردنيين المستطلعة آراؤهم تنظيم القاعدة الذي يتزعمه أسامة بن لادن بأنه "منظمة مقاومة مشروعة"، في مقابل 10.6% اعتبروه "منظمة إرهابية".

أول الدلالات المهمة التي تتضمنها الأرقام السابقة تبدو جلية من خلال مقارنتها بموقف "قادة الرأي" كما أظهرتها استطلاعات مركز الدراسات الاستراتيجية.

ففي ذروة شعبية أسامة بن لادن، أظهر استطلاع العام 2004، أن ما نسبته 33.7% من الاقتصاديين، و29.2% من الإعلاميين (وهما الفئتان اللتان اقتصرت عليهما عينة "قادة الرأي في تلك الفترة) يعرفون تنظيم القاعدة بأنه "منظمة مقاومة مشروعة"، وبعبارة أخرى، كان ثمة فجوة واسعة بين المواطنين العاديين وقادة الرأي، يعكس غياب الاتفاق بين هاتين الفئتين على تحديد واضح للإرهاب، وبما يسمح بالتالي بالتوعية به ومكافحته، لا سيما قبل أن يصل إلى مرحلة التنفيذ على الأرض، على نحو ما حصل في عمان في 9 تشرين الثاني 2005، وهي المحطة التي يمكن اعتبارها نقطة تحول حاسمة في موقف الرأي العام الأردني.

فبعد أيام من جريمة الاعتداء على الفنادق الثلاثة في عمان، التي نفذها تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين بقيادة أبو مصعب الزرقاوي، أظهر استطلاع للرأي أجري (13 و14 تشرين الثاني 2005) لحساب "الغد" أن نظرة 78.2% من أفراد العينة الى تنظيم القاعدة هي نظرة "سلبية جداً"، في مقابل 1.5% أفادوا بأن نظرتهم للتنظيم "ايجابية جدا"، فيما ذكر 3.9% ان نظرتهم "ايجابية الى حد ما". كما ارتفعت نسبة من يؤيدون توصيف القاعدة بأنه تنظيم إرهابي إلى 87.1%، في مقابل رفض 7.4%.

وتأكد هذا التدهور في استطلاع مركز الدراسات الاستراتيجية نهاية 2005 (1-7/12/2005)، إذ بلغت نسبة الاردنيين(في العينة الوطنية) الذين وصفوا تنظيم القاعدة–بن لادن بأنه "منظمة ارهابية" 48.9%، وتزداد هذه النسبة بشكل حاد في حالة تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، المسؤول عن الاعتداءات على عمان، لتصل إلى 72.2%.

وهذا التحول في موقف الرأي العام الأردني، والذي يبدو مفهوما ومنطقيا بالنظر إلى هول جريمة العام 2005 بالنسبة إلى مجتمع لم يشهد مثيلا لها في تاريخه، هذا التحول قرب المسافة بين المواطنين وقادة الرأي الذين اعتبر 9.4% منهم ان تنظيم القاعدة–بن لادن هو "منظمة مقاومة مشروعة"، في مقابل 73.4% ممن اعتبروه "منظمة ارهابية"، فيما وضع 84.6% من قادة الرأي تنظيم القاعدة في العراق في خانة المنظمات الارهابية. بخلاف 2.1% ينظرون إليه كمنظمة مقاومة مشروعة.

وإذا كان تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين قد حافظ في استطلاع مركز الدراسات الاستراتيجية الأخير (الصادر في تموز 2006) على صورته الإرهابية بشكل عام، إذ اعتبرت أكثرية المواطنين وبنسبة 54.3% من العينة الوطنية أنه "منظمة إرهابية"، مقارنة بـ75.0% من أفراد عينة قادة الرأي، وكذلك الأمر فيما يتعلق بتنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن، الذي اعتبره 41.1% من العينة الوطنية منظمة إرهابية مقارنة بما نسبته 64.1% ممن ذهبوا في ذات الاتجاه من قادة الرأي، برغم ذلك، يبدو ضروريا التساؤل حول أسباب التحسن الذي طرأ على صورة كل من تنظيم القاعدة بقيادة أسامة بن لادن، كما على صورة تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين الذي نفذ اعتداءات عمان؟

لا يبدو من عامل يفسر بشكل منطقي هذا التحسن إلا في الظروف الإقليمية، ولا سيما بالنظر إلى ما تكشف الفترة الممتدة بين تفجيرات عمان والاستطلاع الأخير من ممارسات لاإنسانية على يد القوات الأميركية في العراق، الذي يشكل ساحة نشاط تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، إضافة إلى تصريحات الرئيس بوش المحذرة تارة من امبراطورية إسلامية، وتارة أخرى من فاشية إسلامية، بهدف التغطية على الفشل الأميركي في العراق وأفغانستان. ويضاف إلى ذلك أزمة الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للرسول محمد، صلى الله عليه وسلم... وهذه كلها ربما ولدت شعورا بالفرز والاستهداف لدى المسلمين، ومنهم المواطنون الأردنيون. ويمكن التدليل على تلك النتيجة من خلال موقف الشارع الأردني من قضية زيارة نواب إسلاميين لبيت عزاء أبومصعب الزرقاوي عقب مقتله على يد القوات الأميركية.

فبحسب استطلاع الرأي الذي أجري لحساب "الغد" يومي يومي 16 و17 حزيران الماضي، ظهر أن 59% من الأردنيين يطلقون صفة "إرهابي" على الزرقاوي، فيما رفض 67% من العينة إطلاق وصف "الشهيد والمجاهد" عليه. بل واعتبر 73% من المشمولين في الاستطلاع بأن هذا الوصف يمثل استفزازا للأردنيين وذوي الشهداء الذين سقطوا في تفجيرات عمان. وبخصوص قيام بعض النواب بتقديم العزاء بالزرقاوي اعتبر 70% من العينة هذا الأمر استفزازا لمشاعر المواطنين ولأهالي الضحايا.

وتعززت هذه الحقيقة من خلال نتائج ذات استطلاع الرأي الذي أظهر تحسن صورة "القاعدة" بشكل عام، بقيادة أسامة بن لادن والتي كانت بقيادة الزرقاوي. فقد "أفاد 45.7% من مستجيبي العينة الوطنية بأن ردة فعلهم تجاه موت الزرقاوي عندما علموا بها كانت إيجابية، بمعنى أنهم شعروا بالفرح، والأمان، والراحة، والفخر، والتفاؤل. بينما أفاد 30.3% من أفراد العينة بأن ردة فعلهم كانت سلبية حين علموا بموت الزرقاوي؛ بمعنى أنهم شعروا بالغضب، والحزن، والإحباط، والزعل". كما أن ما نسبته 25.4% من ذوي المشاعر السلبية كان موقفهم مستندا إلى اعتقادهم بأن الزرقاوي "كان يقاتل ويقاوم أميركا أو لأنه قُتل من قبل أميركا".

أيضا، وفيما يتعلق بزيارة نواب جبهة العمل الإسلامي الأربعة إلى بيت عزاء أبومصعب الزرقاوي، اعتبرت غالبية العينة الوطنية (65.5%) أن الزيارة "عمل غير مقبول سياسيا"ً، كما أنها غير مقبولة اجتماعيا بنسبة 38.4%. ومع أن نسبة من اعتبروا الزيارة "مقبولة اجتماعية" بلغت النسبة 38.1%، لكن يظل الرفض هو الأعلى على هذا المعيار حتى ولو بفارق بسيط جدا. 

الدلالة الأخيرة في استطلاعات الرأي العام الأردني، والتي قد تبدو خطيرة في الواقع، وترتبط حتما بالدلالات السابقة، ولا سيما من ناحية وجود تحديد واضح لمفهوم الإرهاب في الذهنية العربية قبل سواها وخلطه بالمقاومة، يمكن إيجاده في الموقف الأردني من حركة حماس في فلسطين وحزب الله في لبنان، قبل تفجيرات عمان وبعدها.

فرغم أنه ليس ثمة خلاف على اعتبار أغلبية الأردنيين للتنظيمين "منظمات مقاومة مشروعة" في كافة استطلاعات الرأي، لكن يظل مهما تراجع هذا الموقف، بغض النظر عن النسبة، منذ تفجيرات عمان في تشرين الثاني 2005، كما تظهر استطلاعات مركز الدراسات الاستراتيجية.

ففي الاستطلاع الأخير، في تموز 2006، بلغت نسبة من اعتبروا حماس "منظمة مقاومة مشروعة" 69.1%، مقارنة بـ73.5% و86.7% في استطلاعي العامين 2005 و2004 على التوالي. في المقابل، ارتفعت نسبة من يعتبرون الحركة "منظمة إرهابية" في العام 2006 إلى 7.8% مقارنة بـ5.8% و1.8% في استطلاعي العامين 2005 و2004 على التوالي.

وذات الأمر ينطبق على حزب الله اللبناني الذي تراجعت نسبة القائلين بأنه "منظمة مقاومة مشروعة" من 63.6% في الاستطلاع الأخير، بعد أن كانت النسبة 63.9% و84% في العامين 2005 و2004 على التوالي. فيما زادت نسبة من يرون فيه "منظمة إرهابية" لتبلغ 6.9% في الاستطلاع الأخير، بعد أن كانت هذه النسبة هي 6% و2.9% في استطلاعي 2005 و2004 على التوالي.

وباختصار، يتضح جليا أن الجريمة التي ارتكبت في عمان قبل عام، وكان جميع ضحاياها مدنيين، قد أدت إلى وقفة مهمة لتحديد ماهية كل من الإرهاب والمقاومة، وإزالة ما بينهما من تداخل مسيء للأخيرة. ومثل هذه المراجعة كما تظهر استطلاعات الرأي العام الأردنية ليست مهمة للأردن الذي اكتوى بنار الإرهاب فحسب، بل مهمة لكل مجتمع ابتداء، كما لكل تنظيم يريد أن يكون مقاومة مشروعة شريفة. فاتحاد عدو لا يسبغ المشروعية على تنظيم ما، كما يظهر في حال تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، فهو إذا كان يستهدف جنودا أميركيين، إلا انه استهدف أبرياء مدنيين في الأردن، ومازال يستهدف أبرياء في العراق.

manar.rashwani@alghad.jo   

التعليق