منار الرشواني

ثمن الفساد في العراق

تم نشره في الاثنين 6 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 03:00 صباحاً

في الثاني من آب الماضي، وخلال جلسة استماع أمام مجلس الشيوخ الأميركي، وصف المفتش العام لإعادة الإعمار في العراق، ستيوارت بوين، الفساد في العراق بأنه "وباء" يكلف البلد أربعة بلايين دولار في العام الواحد!

لكن هذه الحقيقة التي باتت معروفة للجميع، والمدعمة بتقارير سابقة ولاحقة صادرة عن مكتب بوين الحكومي، استدعت -بعد طول صبر- قرارا حصيفا من الإدارة الأميركية، ينسجم وتاريخها منذ غزو العراق، وهو ببساطة "الانقلاب" على بوين؛ لا بشخصه، بل بإلغاء منصب "المفتش العام لإعادة الإعمار في العراق" من أساسه في الأول من تشرين الأول القادم 2007. ووصف "الانقلاب" ليس منبعه توقيت القرار في ظل المعطيات السابقة فحسب، بل الأهم هو أسلوب تمريره في الكونغرس، والذي تلخصه سوزان كولينز، رئيسة لجنة الأمن الوطني وشؤون الحكومة بمجلس الشيوخ الأميركي، (ومعها كثيرون من الحزبين الجمهوري والديمقراطي)، بأنها لا تعرف كيف تم إضافة نص "الإلغاء" إلى ما يسمى بـ"تقرير المؤتمر" المخصص لتسوية الخلافات بين مجلسي الشيوخ والنواب بشأن قانون "السلطة العسكرية" (Military Authorization Bill)، رغم متابعة كولينز –التي تنتمي إلى الحزب الجمهوري!- الحثيثة للقانون!

والسؤال الآن: من سيدفع ثمن الفساد المستمر في العراق، والذي تقوده شركات أميركية وثيقة الصلة بالإدارة الأميركية، على رأسها "هوليبورتون" التي كان يرأسها ديك تشيني؟ وأي شكل سيتخذه هذا الثمن؟

لأن صلاحية بوين تقتصر اساسا على الأموال المقتطعة من أموال دافعي الضرائب الأميركيين، فقد كان طبيعيا أن تعتبر صحيفة نيويورك تايمز في افتتاحيتها يوم أول من أمس أن قرار إلغاء "المفتش العام لإعادة الإعمار في العراق" بمثابة "تعمية لدافعي الضرائب بشأن ما يجري في العراق". لكن هل يعقل أن الولايات المتحدة لن تطالب العراق لاحقا بإعادة دفع ما تقدمه له الآن اسميا، ولشركات السلاح والحماية والنفط الأميركية فعليا، من أموال دافعي الضرائب الأميركيين، سواء بشكل مباشر، أو بشكل غير مباشر عبر آلية شبيهة بسياسات الانتداب الاستعمارية في بداية القرن الماضي؟

أيا كان، يظل الفساد المالي المباشر، أو عبر التلاعب بصفقات إعادة الإعمار المدنية غير جدير حتى بالذكر، من ناحية الخطورة والامتداد، مقارنة بالجانب الأهم للفساد في العراق، والمتعلق بالأسلحة.

فبحسب تقرير صادر أواخر الشهر الماضي عن المكتب "المحتضر" للمفتش العام لإعادة الإعمار في العراق، فإنه من أصل "505093 قطعة سلاح تم تزويد وزارتي الداخلية والدفاع (العراقيتين) بها خلال السنوات الماضية، لم يتم أخذ أرقام التسلسل إلا لـ12128 قطعة. وتشمل هذه الأسلحة قاذفات "آر بي جيه"، وبنادق هجومية، وبنادق آلية، ومسدسات شبه آلية، وبنادق قناصة". ومعنى ذلك باختصار، عدم إمكانية تتبع هذه البنادق، فيما تتكشف الأدلة يوما بعد يوم على تورط فرق كاملة أحيانا من الجيش وقوى الأمن العراقية في عمل فرق الموت والتطهير العرقي والطائفي، ناهيك عن وقوع قطع الأسلحة تلك في يد من لا ينتمون إلى الجيش أو قوى الأمن.

أسوأ من ذلك، يؤكد التقرير اختفاء 13000 مسدس شبه أتوماتيكي، وكافة البنادق الهجومية من نوع M1-F  (وعددها 751 بندقية)، إضافة إلى 100 بندقية آلية من نوع MP-5، كان من المفترض أن تكون موجودة في مخازن السلاح العراقية! ومرة أخرى، فإن الإحصاءات السابقة تشمل فقط ما تم شراؤه من أموال دافعي الضرائب الأميركيين، ما يعني أن كامل حجم السلاح المفقود، بعد إضافة المشترى من مصادر أموال أخرى، قد يزيد كثيرا جدا عن الأرقام السابقة.

ومن ثم، يتضح جليا أن الثمن الأغلى للفساد في العراق، والذي تتم التغطية عليه بشكل "قانوني" من قبل إدارة الرئيس بوش، هو مبدئيا الدم العراقي، كونه من المنطقي حد البداهة توقع دخول السلاح المفقود ساحة الحرب الأهلية المستعرة في العراق. وإذ نقول "مبدئيا"، فلأنه لا شيء يمنع تسرب جزء من هذا السلاح (أو لربما تسرب فعلا) إلى دول جوار العراق، حيث يتم استخدامه من قبل منظمات إرهابية ضد مواطني هذه الدول، فيكون الثمن الكلي للفساد الأميركي دما عراقيا، ودماء عربية أخرى.

يوما بعد يوم يتضح أنه لم يعد من المقبول أبدا ترك السياسة الأميركية في العراق خاضعة لأهواء الإدارة الأميركية الحالية وتخرصاتها، فالنار التي أشعلتها في العراق باتت تمتد ألسنتها إلى غير دولة عربية مجاورة، وإلى درجة قد تبدو معها أميركا الغازية أقل الخاسرين من عدوانها.

manar.rashwani@alghad.jo

التعليق