إبراهيم غرايبة

بنك الفقراء

تم نشره في الاثنين 6 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 03:00 صباحاً

"كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم"

"محمد يونس وبنك غرامين أثبتا أن أفقر الفقراء بوسعهم العمل والمشاركة في التنمية الاقتصادية" هكذا وصفت لجنة جائزة نوبل البروفسور البنغالي محمد يونس وبنك غرامين للفقراء الذي يديره. وقد بدأ محمد يونس منذ عام 1976 تشغيل وإدارة قروض صغيرة جدا للفقراء تقل في بعض الأحيان عن خمسين دولارا، وكانت هذه العمليات التي قدمت سبعة ملايين قرض للفقراء تشكل نظاما اقتصاديا واجتماعيا جديدا يساعد الناس على التخلص من الفقر وتدبير معاشهم واحتياجاتهم، وإنشاء حياة اقتصادية وتنموية بين الطبقات الفقيرة وحتى أفقر الفقراء في المجتمع.

لقد لاحظ محمد يونس أستاذ الاقتصاد بجامعة شيتاجونج جنوب بنغلاديش وخريج الجامعات الأميركية أن نظام القروض البنكية المتبع في العالم هو للأغنياء وليس للفقراء، وأن الفقراء يعانون من حلقة مفرغة تمنعهم من المشاركة في الحياة الاقتصادية، فهم لا يملكون المال، ولا يستطيعون الاقتراض من البنوك ليحصلوا على المال ويستثمروا في مشروعات اقتصادية تخلصهم من الفقر، فيبقون فقراء إلى الأبد، فالبنوك تطالب بضمانات للقروض لا تقل عن قيمتها، أو أنها تقدم قروضا للتجار ورجال الأعمال الناجحين.

ولاحظ يونس أيضا أن النساء في المنطقة المحيطة بالجامعة التي يعمل فيها يمكنهن البدء بمشروعات صغيرة مدرة للدخل لو توفر لهن مبلغ صغير للبدء بمشروع مثل تربية الدواجن، أو إنتاج الألبان والبيض، وكانت الفكرة لدى يونس هي تقديم قروض صغيرة جدا بدون ضمانات مقابل البدء بمشاريع صغيرة قابلة للتنفيذ، وبدأ بتقديم قروض للنساء في قرية مجاورة للجامعة التي كان يعمل فيها ولم تتجاوز قيمة القرض 27 دولارا، وهكذا بدأ وأنشأ بنك غرامين، وهي كلمة تعني قروي باللغة البنغالية، وكان أول بنك يقدم القروض لفئة من الناس لا ترغب البنوك التقليدية في إقراضهم.

وربما كانت جائزة نوبل لهذا العام قدمت مفهوما جديدا للسلام، أو أن اللجنة تجاوزت المفهوم المباشر والقائم على المساهمة في حل النزاعات والحروب في العالم إلى مفهومه القائم على مشاركة جميع المواطنين في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ولما كان الفقر عائقا بين المواطنين والمشاركة فإنه مثل الحروب والنزاعات مصدر للقلق والتوتر وغياب العدالة والحريات، فلا يمكن تصور السلام قائما في دولة إذا كانت أغلبية مواطنيها أو نسبة كبيرة منهم تعاني من الفقر، ولا يبدو أمامها ثمة فرصة لمواجهته والتخلص منه، ومن ثم فإن الدولة هذه مهددة بالاضطرابات والانقسامات، وهكذا فإن محمد يونس استحق جائزة نوبل للسلام بإدخاله مفهوما للسلام قائما على التنمية والمشاركة وإتاحة المجال للفقراء ليكونوا جزءا فاعلا في الإدارة والتحولات الإيجابية.

كانت البنوك التقليدية بسياساتها المنحازة للأغنياء تدير ظهرها لحقيقة اقتصادية واجتماعية مفادها أن الفقراء أيضا قادرون على الاستثمار والمشاركة لمصلحتهم ولمصلحة البنوك والشركات والاستثمارات، وأن مقولة الاستثمار لا ينجح إلا إذا كان موجها للأغنياء هي أقرب إلى الخرافة، فالفقراء أيضا يشكلون سوقا للعمل والإنتاج يمكن أن تشارك فيه البنوك والشركات، وأن النظر إلى الفقراء باعتبارهم فئة لا يصلح التعامل مع احتياجاتها إلا للجمعيات الخيرية ومؤسسات الرعاية الحكومية فكرة تنطوي على كثير من الإهانة لفئة من المواطنين من حقها أن تشارك في الموارد وأن تكون جزءا أساسيا في عملية حراك وتداول المال، يقول محمد يونس: "لا أرى سببا يمنع فقيرا على وجه الأرض من أن يتخلص من فقره".

تجربة محمد يونس تقول للعالم ببساطة أن الأرض بمواردها وما أودع الله فيها، والإنسان بما أوتي من علم وقدرات مؤهلان (الأرض والإنسان) للرفاه والكفاية، والأزمة لم تكن يوما أزمة موارد ولكنها إدارة وأخلاق، وإذا كان مفهوما أن تكون الإدارة جزءا أساسيا بل الأكثر أهمية في الموارد والتنمية، فإن الحقيقة الجديرة بالاعتبار اليوم هي أن الأخلاق أيضا جزء كبير من الموارد والتنمية.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق