سرطان الحنجرة

تم نشره في السبت 4 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 03:00 صباحاً

 

مرة اخرى تستوقفنا جميعاً ارقام دائرة الاحصاءات العامة التي تشير الى مواصلة فاتورة مستوردات الاردن من الاجهزة الخلوية ارتفاعها، لتبلغ مع نهاية الأشهر الثمانية الأولى من هذا العام حوالي 168.5 مليون دينار، بعد ان كانت خلال الأشهر الستة الاولى منه حوالي 123 مليون دينار؛ اي اننا استوردنا خلال شهرين اجهزة خلوية بقيمة 45 مليون دينار اردني! وهذه الارقام تسجل ارتفاعاً بقيمة 25% عن ذات الارقام خلال العام الماضي، إذ استوردنا خلال الأشهر الثمانية الاولى من العام 2005 ما قيمته 135.1 مليون دينار من هذه الأجهزة!

الارقام السابقة ليست لاسلحة عسكرية، او معدات لتطوير مفاعل نووي سلمي، او لبناء جامعة، بل هي لغايات "الحكي" والبذخ والاسراف والاستعراض. ومن اشتروا الاجهزة الجديدة لم يكونوا معزولين عن العالم، بل هم يستبدلون اجهزتهم القديمة. ولهذا، تقول الارقام الرسمية: اننا نحن، الشعب الاردني، الذين نشكو ونتذمر من الفقر والبطالة، ونتدافع على ابواب الجمعيات الخيرية وصندوق المعونة وموائد الرحمن وشاحنات الارز والزيت، استوردنا 1.5 مليون جهاز خلال ثمانية أشهر، اي حوالي 188 الف جهاز شهرياً، وبعبارة أخرى، ان 188 الف جهاز خلوي يجري تجديدها شهريا ورمي السابقة! ولعل الشعب الياباني، صاحب الثورة التكنولوجية، او حتى الشعوب المترفة في العالم، لا تستعمل هذه الكميات من الاجهزة نسبة الى عدد سكانها ونشاطها الاقتصادي.

في بلادنا سرطان سلوكي يجعلنا شعبا متناقضا مع نفسه؛ فهذه الملايين من الدنانير لا ينفقها اصحاب المال والاغنياء، بل كلنا نشتري اجهزة؛ والسبب ليس ان تعاملاتنا التجارية واموالنا في بورصات العالم تجعلنا بحاجة الى الاجهزة المتطورة، بل لاننا نبحث عن جهاز تكون نغمته اغنية لمطرب، او يصور فيديو، او فيه خدمة استقبال الصور! وهناك تطور سلوكي نوعي لدى فئات من شبابنا وفتياتنا، إذ يشتري أحدهم جهازا "فايعا"، لكنه بعد شهر يملّ منه، ويبحث عما هو اكثر "فياعة"، فيبيع الاول بنصف السعر لانه اصبح مستعملاً، وهكذا دورة الاجهزة!

وربما يكون المستفيد بعض التجار الذين يقوم عدد منهم باعادة تغليف الاجهزة المستعملة، وهي في حقيقتها جديدة، ويعيد بيعها باعتبارها حديثة.

نعم، نحن شعب متناقض في بعض سلوكاته، لهذا نجد من لا يصل راتبه الى 150 ديناراً على "خصره" جهاز خلوي ثمنه قد يزيد على الراتب، وينفق بطاقات بعشرين ديناراً، واذا سمع اشاعة بأن الحكومة ستزيد الراتب 5 دنانير انتابه الفرح، رغم أنه ينفق "قيمة الاشاعة" في يومين او ثلاثة!

ونحن الذين ننفق 168.5 مليون دينار على الاجهزة خلال ثمانية أشهر، ننفق مئات الملايين على الحكي، ومعظمه لا ضرورة له، بل هو كلام لهدر الوقت، لكنه يستنفد الراتب. وعلبة اللبن، وكيلو الخبز، يتضاعف سعرهما لان امر الشراء من الزوجة يأتي من خلال مكالمة خلوية. وهناك مكالمات كثيرة ينفقها الاردنيون "لتضييع الزهق"، او للسؤال "وينك؟"، رغم علم الشخص ان من يتصل به لا يعمل في وكالة الفضاء الاميركية، او باحثاً في جامعة اكسفورد، بل هو يحمل "الريموت" يشاهد التلفزيون، او يقف في الشارع!

واذا عدنا الى الارقام، فإن دائرة الاحصاءات العامة تقول ان قيمة مستوردات الخلوي تضاعفت 10 مرات، لتسجل نهاية العام الماضي حوالي 211 مليون دينار مقارنة مع 21 مليون تقريباً في العام 2000.

وبالمناسبة، فإن هذه المئات من الملايين ندفعها بالعملة الصعبة! وإذا كنا نقول ان السياحة هي بترول الاردن، وتعود على الاقتصاد الوطني بحوالي 500 مليون دينار سنوياً، فإننا ننفق -بكل كفاءة!- حوالي نصف هذا المبلغ لاستيراد اجهزة خلوية.

كلنا نتذمر ونشتم الاوضاع، ونشكو الفقر او قلة الارباح، او ضعف حركة السوق، او ارتفاع سعر "جرة" الغاز او "تنكة" الكاز، لكن كلنا ايضاً تقريبا نضيع نسباً ليست قليلة من رواتبنا الكبيرة او المتواضعة في الحكي والثرثرة، ونصدر سنوياً اكثر من 210 ملايين دينار، او حوالي 300 مليون دولار، الى العالم لنشتري بها اجهزة "للحكي".

sameeh.almaitah@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »ظاهرة عالمية (نهاد اسماعيل)

    السبت 4 تشرين الثاني / نوفمبر 2006.
    التهافت على الخلوي والانهواس بنغمة الرنين لا تقتصر على بلد واحد. الاحظ في بريطانيا حتى الرجال البالغين يتنافسوا في اختيار الاصوات الغريبة للخلوي. قبل يومين كنت اقف في طابور قصير في احد البنوك لاتمام معاملة وكان امامي رجل في اواسط الاربعينات ورن الخلوي في جيبه واعطى صرخة طرزان في الادغال مما ازعج امرأة كبيرة في السنة كانت واقفة وجفلت المسكينة. وقبل شهور كنت في القطار حينما رن تلفون رجل في منتصف العمر ولكن الرنين كان صوت خوار بقرة مرتفعا.ونظر الركاب حولهم ظنا ان تكون بقرة في القطار ولكن الرجل الذي يحمل الخلوي قال مبتسما لا تقلقوا انها زوجتي على الخط تريد ان تعرف موعد وصول القطار الى المحطة. ولكن النقطة التي اعتقد ان الاستاذ سميح يريد طرحها ان المواطن الاردني من ذوي الدخل المحدود يسيء استعمال ميزانية محدودة على الكلام الفاضي يتحدثوا كأنهم يقرروا مصير العالم وعندما تأتي الفاتورة يحتجوا ويشكوا ومعنى ذلك ان دفع الفاتورة يكون على حساب ميزانية الطعام والمصاريف الضرورية الأخرى. الخلوي هي لعبة كونية يتمتع فيها الغني والفقير والكبير والصغير ولكن البعض وجد فيها ضالته المنشودة واعتبرها رمزا للنجاح.
  • »الحساسية مطلوبة (مضر)

    السبت 4 تشرين الثاني / نوفمبر 2006.
    كلام غير حكيم ياسيد معايطة. انت تحاكم شريحة من المجتمع دون اية دراسات مفصلة عن نوعية اللذين يشترون الموبايلات وعن اسعار الموبايلات التي تشتريها الشريحة المهمشة وتنسى ان في الأردن مئات الآلاف من الضيوف العراقيين ومن السياح عددهم اكثر وجميعهم يستفيدون من الأسعار الرخيصة للخلويات في الأردن.

    ومن ثم حتى لو كانت تلك الخلويات باهظة السعر منتشرة بين الطبقة المحرومة وما العيب في ذلك؟ لماذا تحمل على شخص يشتري خلوي بشعر معاش شهر ولا تحمل على غني يشترى سيارة تفوق دخله السنوي بمرات عديدة او مكيف او ميكرويف.

    هناك ظاهرة انعدام الحساسية تجاه المحرومين في الأردن . فمرة نقذفهم بتهمة ثقافة العيب لأنهم يرفضون اشغالا يرفضها من يقذفون التهم ويرفضونها لأبنائهم. ومرة نتهمهم بالتبذير لأنهم يريدون ان يستمتعوا بالقليل المتاح لهم بالحياة.

    لقد اعتدنا عليك ان تكون اكثر موضوعية في استنتاجاتك. لكل جواد كبوة.
  • »فلسطين المنسية (ابوثابت)

    السبت 4 تشرين الثاني / نوفمبر 2006.
    اخي الحبيب رجاء ان تعيد الروح لكتاباتك و تسلط الضوء على جرح الأمة النازف

    رجاء ان يكون التعليق انساني و ليس نقد لحماس كما هو المعتاد