إبراهيم غرايبة

الثقافة وتشكيل المجتمعات

تم نشره في الجمعة 3 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 03:00 صباحاً

يساعد كتاب عبد الغني عماد: "سوسيولوجيا الثقافة" والذي صدر مؤخرا على ملاحظة أبعاد التحولات الكبرى التي تجري في المجتمعات وأثر الثقافة فيها ودورها في تحقيق التنمية والتقدم.

يتميز الإنسان بقدرته على إنتاج الثقافة، ولكل مجتمع ثقافته الخاصة التي يتسم بها ويعيش فيها، ولكل ثقافة ميزاتها وخصائصها التي تتألف من طرق المعيشة والأساليب التي يضعها الناس، وهي أعمق بكثير من المفهوم الأدبي والفني الأكثر ارتباطا بها، لأنها في الواقع تحسم خيارات المجتمعات والدول وتقيم المنتجات المادية والفكرية، فالثقافة هي التي تجعل السياسات والمشروعات والأفكار مقبولة أو مرفوضة، ولننظر على سبيل المثال إلى الاتجاهات نحو التعليم في الأردن، أو نحو تنظيم النسل، أو جرائم الشرف، أو حق الخلع.

وتحل الثقافة في جميع الأنظمة والمؤسسات الاجتماعية، الأسرية والتربوية والدينية والأخلاقية والجمالية واللغوية والاقتصادية والقانونية والسياسية، ويكتسب الأفراد هذه الأنماط الثقافية المناسبة عبر عملية التنشئة الاجتماعية، بدءا بأساليب السلوك المتنوعة وصولا إلى الأنشطة الجماعية وسلوكياتها.

والمجتمعات دائمة التغير، فالتغير قانون تخضع له جميع الظواهر، فقد تموت الثقافة إذا تفكك المجتمع الذي أنتجها، فالثقافة إذن تتحرك وتتطور، ذلك أن كل جيل يقوم بالإضافة إلى "الموروث الثقافي" من خلال التعليم والتجربة، وتسمى هذه العملية التراكم الثقافي، والعناصر الثقافية المتراكمة تعمل وتستمر في صور كثيرة طالما استمرت الوظيفة التي تؤديها في المجتمع، وثبت أن أكثر التغيرات تأتي من الخارج، وقد فتحت آلية الانتشار الثقافي الباب للهجرات والحروب والتجارة، والموقف من الثقافات الأخرى، وكيفية استقبال المجتمع للعناصر الجديدة الوافدة.

وكل ما يتغير في المجتمع يتبعه تغير ثقافي، سواء كان هذا التغير محدودا أو واسعا، شاملا المظاهر المادية والمعنوية بكل ما يترتب عليه من علاقات وما ينتج عنها من قيم وعادات، فيمكن في الأردن ملاحظة أمثلة على التحولات هذه، مثل تعليم البنات وعمل المرأة، وكيف تغير المجتمع بسرعة ليتيح المجال كاملا للمرأة للتعلم والعمل وتشجيعها على ذلك.

التغير الثقافي يحدث محصلة لمجموعة من التحولات والأحداث الاجتماعية والاقتصادية والضرورات الجديدة التي تنشأ، وللطبيعة والجغرافيا والمناخ والموارد أيضا دور كبير، وكذلك الاتصال أو العزلة. فمعظم المجتمعات البدائية تكون شديدة العزلة، والمجتمعات الزراعية ترغب في حماية ثقافتها، وتسعى في الغالب إلى مقاومة ورفض الاتصال بالمجتمعات الأخرى، فقد أدت الثورة الصناعية وما صاحبها من تقدم تكنولوجي إلى إحداث تغيرات جوهرية في نمط المعيشة بوجه عام وفي النظم الاجتماعية.

وتنشئ المرحلة المعرفية اليوم والقائمة على الاتصالات والمعلومات والأعمال والموارد المحيطة بها تحولات اجتماعية وثقافية ربما لم نلاحظها بعد أو لم تأخذ واقعا راسخا، ولكنها قادمة بقوة، ويجب التفكير بها والاستعداد لها، لأنها ستغير كثيرا من العلاقات والأنظمة وأنماط الإدارة والحياة، ومن هذا التداعيات والمؤشرات الواضحة: المشاركة في عملية تحديد البدائل السياسية وتزايد مقدرة الدول على التعامل مع الجماهير، وتغير دور الأسرة والمدرسة وتزايد تأثير الفضائيات والإنترنت على تشكيل الأجيال ومواقفها وفي التعليم والعلاقات والعمل أيضا.

ربما يكون طريفا ذلك الصراع الفكري والمعلوماتي بين القاعدة وبين الولايات المتحدة الأميركية، فهو يشير إلى القدرات والفرص التي يمكن أن تحصل عليها الجماعات الصغيرة والمحدودة، ويمكن أن تقدم عبرا لكل المجتمعات والأفراد أيضا في ملاحظة فرص التقدم والتعلم والتنمية الممكنة، وأنه لم يعد ممكنا الهيمنة على المجتمعات والأفراد، ولكن يجب البحث عن صيغ جديدة تنظم العلاقات بين الأفراد والمجتمعات والحكومات.

هذه الإتاحة الهائلة في المعرفة وفي تداولها تفرض واقعا جديدا، ويمكن ملاحظة الحالة السياسية والاجتماعية الجديدة التي تنشئها المدونات على الإنترنت، وكذلك الآفاق الممكنة للعمل والتواصل.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق