مقاربة خطرة

تم نشره في الخميس 2 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 03:00 صباحاً

 

ثمة توجه أميركي واضح يدفع بالأوضاع في الأراضي الفلسطينية نحو الإنهيار في الوقت الذي يخفق فيه الفصيلان الأهم على الساحة الفلسطينية في ايجاد مقاربة وطنية على أرضية توافق وطني. وتزداد الأمور تعقيدا ونحن نشاهد انتقال القرار الفلسطيني ولو تدريجيا من رام الله الى دمشق.

في الاسبوع الماضي قام كيث دايتون، المنسق الأمني الأميركي في الأراضي الفلسطينية، بتقديم برنامج للجنة الرباعية خلال اجتماعها في لندن لتقوية الحرس الرئاسي الفلسطيني وذلك استعدادا، حسب التصور والفهم الاميركي، لمواجهة محتملة مع حماس. والحقيقة أن هناك تصورا اميركيا يجري تطبيقه على الارض منذ شهر آب قوامه تقوية الحرس الرئاسي ورفع عدده ليصل الى ستة الاف عسكري. وقد اقام الاميركيون معسكرات ومراكز تدريب لهم في اريحا منذ شهر آب.

من حيث المبدأ لا يوجد ممانعة لتدريب الفلسطينيين وتجهيزهم بالاسلحة المناسبة، بل على العكس من ذلك فتقوية الأمن الفلسطيني من الأمور الأساسية التي ستساعدهم في تثبيت دعائم السلطة. لكن الرغبة الأميركية والاسرائيلية تتعدى مسألة توطيد الأمن في الاراضي الفلسطينية التي لا يعطلها سوى استمرار الاحتلال الاسرائيلي والتغاضي الاميركي عن الموقف الاسرائيلي.

وهنا مكمن الخطورة؛ إذ ان تقوية الحرس الرئاسي الفلسطيني لا تقترن بوجود خطة سياسية جاهزة بحاجة للتنفيذ لا يعطلها سوى حماس ومواقفها الرفضوية! وهذه مقاربة اميركية خطرة لأنها لا تأخذ بعين الاعتبار السياق السياسي المطلوب لتقوية عباس على حساب حماس. ومع ان هناك موقفا عربيا رسميا لصالح عباس في صراعه السياسي مع حماس بيد انه لا يوجد من يريد ان تنزلق الامور الى حرب اهلية يدفع ثمنها الشعب الفلسطيني في الوقت الذي يستمر فيه الاحتلال الاسرائيلي ويقوم اولمرت بتعديل وتحسين وضعه السياسي الداخلي بضم أشد معارضي التوجهات السلمية في المنطقة الى حكومته.

المقاربة الاميركية في الشرق الاوسط والقائمة على تقوية طرف على حساب الاخر عادة ما تفضي الى نتائج عكسية مع وجود موقف شعبي عربي يكاد يكون كاملا لا ينظر الى النوايا الأميركية الا بعين الشك. كان بالامكان تقوية عباس والسنيورة وكل قوى "الاعتدال" التي تتغزل بها الادارة الاميركية لو ان الولايات المتحدة نجحت في احداث موازنة في موقفها من الصراع. لا يمكن الركون والاطمئنان للسياسة الاميركية في الوقت الذي ما تزال اسرائيل تتمتع بمطلق الحرية في اتخاذ سياسات تساهم في تدمير عملية السلام من دون اعادة تقويم اميركية لموقفها من اسرائيل.

لا ننكر وجود قوى تشدد على الجانب الفلسطيني لا تريد المضي في عملية السلام لأسباب عقائدية أو لإدراكها عبثية الحديث عن عملية سلام. لكن البادي للعيان أيضا أنه لا يوجد على الطرف الاسرائيلي حكومة قادرة على التوصل الى معاهدة سلام حتى حسب مقترحات كلنتون.

والراهن أن الأولوية لرئيس الوزراء الاسرائيلي هي البقاء السياسي وما يتضمن ذلك من ضم حزب اسرائيل بيتنا بقيادة المتشدد والرافض للسلام ليبرمان. لا يمكن ان تكون المقاربة الاميركية صحيحة طالما انها تغفل ان هناك حاجة ماسة لإجراء ضغوطات من النوع الثقيل على الساحة الاسرائيلية. فاولمرت ليس رجل سلام ينتظر على أحر من الجمر ان يتوصل الفلسطينيون الى اتفاق داخلي ولا توجد في جعبته استراتيجية سلام! فالرجل تم انتخابه لتنفيذ الأحادية ولم يستطع بسبب رعونته في لبنان وغزة.

هذا التحليل يجب ان لا يقودنا الى اعفاء قوى التشدد الفلسطيني من مسؤوليتها التاريخية التي تستلزم أن تجري مراجعات عقائدية تؤهلها للعب دور سياسي مقبول ويساعد على إزالة الغمامة عن عيون اللاعبين الدوليين الذين توقفوا لفترة طويلة (ولا يوجد ما يوحي بتحركهم) عند شروط اللجنة الرباعية.

وعلى القوى الفلسطينية المختلفة أن تدرك أهمية عامل الوقت وتأثيره على مواقف اللاعبين الغربيين بما لا يأتي في المصلحة الفلسطينية. المقاربة الاميركية خطرة جدا وتقع مسؤولية دفع الأذى على كاهل القوى الفلسطينية المختلفة.

hassan.barari@alghad.jo

التعليق