إبراهيم غرايبة

المأزق الأميركي ومأزق العالم

تم نشره في الأربعاء 1 تشرين الثاني / نوفمبر 2006. 03:00 صباحاً

لا تقف أزمة الولايات المتحدة في العراق على استمرار قتل الجنود الأميركيين بأعداد متزايدة، وقد كان عددهم في الشهر الماضي أكثر من مائة جندي، ولكن في المأزق السياسي الأميركي والعالمي والذي يقود إلى تداعيات وتحولات سيكون أقلها هزيمة الجمهوريين في الانتخابات التشريعية والرئاسية.

فالولايات المتحدة تبدو اليوم في العراق غير قادرة على الاستمرار وغير قادرة على الانسحاب أيضا كما يصف مأزقها كوفي عنان، ولم يعد الرئيس جورج دبليو بوش ينكر الشبه بين فيتنام والعراق، وأما نائبه ديك تشيني فيجد أن المشكلة فقط في أن إعلام القاعدة يقدم صورة لما يجري في العراق تؤثر على الرأي العام الأميركي، ولذلك فقد أنشأ البنتاغون وحدة إعلامية لتصحيح صورة ما يجري!

وهكذا فإن القاعدة انتصرت إعلاميا بمواقع الإنترنت على الإعلام الأميركي بفضائياته العملاقة وشبكات الإنترنت والصحف الهائلة والهالة والتأثير السياسي والإعلامي المصاحب لها عبر تاريخها وسياساتها وحشودها ودبلوماسيتها! هل هو تفكير معقول؟ أم أن القادة الجمهوريين يقتبسون نماذج بعض دكتاتوريي العالم الثالث وحروبهم الإعلامية وتحميلهم وسائل الإعلام كل أزمات البلاد من فقر وفشل وفساد!

لكن تجري وراء هذه التصريحات العالم ثالثية للرئيس الأميركي ونائبه مفاوضات عملية مع قادة المقاومة في العراق، وقد أعلن عن ذلك بالفعل، ويبدو أنها تستهدف، كقناعة توصلت إليها الإدارة الأميركية مؤخرا، إعادة تشكيل الجيش العراقي والأجهزة الأمنية والاستخبارية المنحلة، ذلك أن التشكيلات القائمة للجيش العراقي وفرق الأمن غلبت عليها العصابات الإجرامية والميليشيات الفوضوية والمخترقة، وهذه مقولات للمسؤولين العراقيين، وقد سرحت بالفعل أفواج كاملة من الأمن العراقي من آلاف الأفراد لأنها متورطة في جرائم قتل وتصفية طائفية وأعمال سلبه ونهب.

ما لم تكن الولايات المتحدة تحسب حسابه - كما يظهر من مجريات الإعلام والأحداث- هو أن الحرب على الإرهاب ستتحول من معركة سهلة مدعومة بالإغواء الإعلامي والجماهيري والانتخابي، إلى حرب لا أخلاقية على الشعوب والمجتمعات والفقراء وأفراد عاديين لا علاقة لهم بالإرهاب ولا بالسياسة، وأنها ستجد نفسها في مواجهة حرب تحرير ومقاومة شعبية في أفغانستان والعراق لا علاقة فعلية لها بالإرهاب.

لقد ثبت مرارا عبر التاريخ أن السلفية والأصولية تشكل الملجأ والحصانة للمجتمعات في مواجهة الغزو والأخطار التي تدهمها، فالأمم والشعوب تنكفئ على نفسها وتبحث في تاريخها ومواردها الذاتية عندما تتعرض للهيمنة والذوبان والاحتلال.

فالأمم والمجتمعات والأفكار تتحرك على نحو تلقائي غامض لموازنة الأفكار والموجات وحماية نفسها ومصالحها وحقوقها، وهو حراك لا يعني بالطبع ردة فعل مباشرة ومعاكسة، فهذا لا يفسر تماما الأحداث والأفكار، ولا يعني أيضا الخطأ والصواب، ففي الحالتين المتقابلتين ثمة حق وباطل، وتقدم وتخلف، وصواب وخطأ، وظلم وعدل.

 

الجماعات الأصولية عندما تتحول هي الأخرى إلى موقع الدفاع عن شعب أو قضية أو مجتمع فإنها تبحث عن إستراتيجيات واقعية لتحقيق مصالحها وتطلعاتها التي تتحول من فكرية وأيديولوجية إلى سياسية واجتماعية، وهذا ما يحدث لطالبان في أفغانستان وحليفتها القاعدة وللمقاومة العراقية والجماعات المعارضة، التي دخلت بالفعل في مفاوضات وحوارات مباشرة مع الولايات المتحدة والحكومة العراقية.

وكان كتاب الصحافي الأميركي العريق والمشهور بوب ودوورد "حالة إنكار" وهو الكتاب الثالث عن إدارة بوش، والذي أثار ردود فعل واسعة وأسئلة محرجة حول إدارة الجمهوريين للحرب على العراق، مناسبة أميركية وعالمية لفتح نقاش واسع ومحتدم حول حقيقة الحرب على الإرهاب.

ويقول ودوورد إن الإدارة الأميركية تخفي عن الرأي العام الأميركي مدى تدهور الوضع الأمني في العراق، وقال إنه ينفذ ما بين 800 – 900 عملية عسكرية أسبوعيا في العراق، ويتوقع أن يزداد تدهور الأوضاع في عام 2007.

وهكذا فإن قادة الولايات المتحدة وربما مفكريها ومنظريها الذين يصممون هذه السياسات كما أخطأوا في تجاهل تقدير الدين في تحريك الشعوب والتأثير على المجتمعات والدول في أواخر السبعينات عندما وقعت الثورة الإسلامية في إيران، فإنهم اليوم يقعون في خطأ كبير هذه المرة في المبالغة والتهويل بشأن التطرف الإسلامي والأصولية وعزل ما يجري من أحداث وتفاعلات معقدة عن سياقها الصحيح ومحاولة ردها قسرا إلى عامل واحد وهو التطرف الإسلامي.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق