إبراهيم غرايبة

لبنان والمغامرة الإيجابية الممكنة

تم نشره في الاثنين 30 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 02:00 صباحاً

ثمة فراغ سياسي كبير في لبنان بعد الانسحاب السوري واغتيال رفيق الحريري، فقد تشكلت في لبنان بعد اتفاق الطائف قوة سياسية قائمة على الوسطية والقدرة على جمع الأطراف اللبنانية السياسية والطائفية، وكانت سورية تقوم بهذا الدور عبر سياسات من الضبط والإلزام للفرقاء، واستطاع رفيق الحريري أن يشكل تجمعا سياسيا من جميع الطوائف والفئات ضمن المعادلة الطائفية المفروضة.

وثمة حاجة اليوم لبديل لبناني و/أو عربي، ولكنه يحتاج إلى مؤهلات خارقة من الإقناع والعلاقات الواسعة والمصالح الممكنة والمترتبة على هذه السياسات المطلوبة، ويبدو أن نبيه بري يضع نفسه اليوم في موقع التوسط بين الفئات اللبنانية المختلفة، وربما كانت زيارته للمملكة العربية السعودية ضمن هذه الآفاق، وبخاصة أن السعودية هي الداعم الأكبر لبرامج إعادة الإعمار في لبنان، وتحاول أيضا المشاركة في الإصلاح السياسي في لبنان وإصلاح العلاقات السورية اللبنانية التي لا يمكن أن تبقى في حالة خلل لأنها بذلك ستكون مصدرا لعدم الاستقرار للبلدين، ثم أعلن عن "عيدية" اللبنانيين، وهي مشروع للمصالحة وحكومة الوحدة الوطنية.

صحيح أن بري هو زعيم شيعي، وصل إلى رئاسة المجلس على هذا الأساس، ولكنه يقدم نفسه على أنه قائد لبناني يسعى للحصول على الإجماع الوطني اللبناني، والواقع أن التوازنات الطائفية في لبنان تفقد بعض مزاياها التقليدية والتاريخية، فلم تعد قادرة على التعطيل، أو لم يعد مناسبا التحشيد لأجل المكاسب الطائفية والابتزاز، وإنما ثمة حاجة لبرنامج لبناني، وأن تكون الطوائف جزءا من برنامج لبناني يحظى بقبول وتأييد جميع أو أكثر اللبنانيين، وقد أصبح الصراع والاعتصام بالتأييد الحاشد في المناطق والمراكز الطائفية مهمة موكولة لمواقع الإنترنت والفضائيات وليس للقوى والأحزاب السياسية والطائفية، وهكذا فإنه ثمة حاجة للبحث عن برنامج إجماع سياسي يستوعب التحولات والاحتياجات والأولويات الجديدة.

ثمة استحقاقات سياسية واجتماعية في لبنان لم تعد ممكنة التأجيل ولا يمكن تجاهلها، وقد تغيرت كثيرا الخريطة السياسية اللبنانية والإقليمية أيضا، فالحرب الإسرائيلية اللبنانية أنشأت حالة سياسية لبنانية وعربية وإقليمية جديدة، وطرحت كثيرا من الأسئلة الجديدة وكشفت أيضا عن تحولات مهمة في السياسة القائمة في المنطقة. فالصراع مع إسرائيل بدا واضحا اليوم أنه صراع لبناني إسرائيلي، وصراع فلسطيني إسرائيلي، وأن العرب يمثلون شراكة إقليمية مؤثرة، وليسوا طرفا مباشرا في الصراع، والمطلوب هو دور عربي إقليمي يوازي وينافس ويتعاون ويفشل في التفاعل مع الأدوار والأطراف الإقليمية الأخرى، مثل الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا وتركيا وإيران.

وعلى الخريطة السياسية اللبنانية ثمة ما يسمى الثلث المعطل والمعطل (مرة بفتح الطاء ومرة بكسرها) والقائم على تحالف حزب الله وميشيل عون وقوى وشخصيات سياسية أخرى.

وربما استطاع هذا الثلث أن يعطل الحياة السياسية اللبنانية، ولكن ثمة حاجة لتفعيل الحياة السياسية وملء الفراغ اللبناني الكبير، وهو ما أطلق عليه حكومة الوحدة الوطنية (نفس المشروع بنفس التسمية يطرح في فلسطين أيضا بسبب قضية وأزمة التعطيل الممكنة لقطبي المعادلة الفلسطينية، فتح وحماس)، وهو مشروع سياسي لم تعد تنجحه سياسات جوائز الترضية والتوزيعة الطائفية للمناصب الوزارية والسياسية. فالطوائف في لبنان لم تعد طوائف بالمعنى الذي كانت عليه من قبل، فهل يمثل ميشيل عون على سبيل المثال قيادة مارونية فقط؟ وهل يشكل حزب الله فقط إطارا تمثيليا للشيعة؟

وثمة انتخابات رئاسية لبنانية يقترب موعدها، وربما إذا لم تتشكل مرجعية سياسية وسطية سيحدث فراغ سياسي كبير، ويبدو أن التوازن الطائفي والسياسي لم يعد كافيا، فثمة حاجة إلى برنامج سياسي تتوافق عليه الأحزاب والقوى السياسية بغض النظر عن انتماءاتها الطائفية.

ولكن مشروع الوسطية والتوسط يفقد أي سياسي يعمل عليه شعبيته الطائفية، فهو يكسب تأييدا سياسيا من الآخرين لكنه يخسر جمهوره الذي يحتاج إليه للنجاح الانتخابي والسياسي وللمصداقية السياسية والحماية أيضا، وهذا هو المأزق الذي يحتاج نبيه بري أن يتجاوزه.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق