إبراهيم غرايبة

العيد والفرح الواجب

تم نشره في الثلاثاء 24 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 03:00 صباحاً

وكما كان رمضان عملا روحيا ومناسبة للزهد، والصعود في السماء، والتخلص من إرهاق الأرض وشهوات الجسد، فإن العيد هو عودة إلى الأرض والحياة، كان الانصراف عن ملذات الحياة والجسد واجبا، وأصبحت العودة إليها واجبا أيضا، وهذا التوازن الدقيق والمحسوب بين العبادة والمصالح وشؤون الحياة يشبه التفاعل الكيميائي الدقيق، والذي إن لم تكن النسب فيه والعناصر المكونة للتفاعل محسوبة ومحققة للشروط فإنه لن ينجح وربما لن يحدث وقد يؤدي إلى نتائج مختلفة غير المفترضة.

فالعبادات والشعائر وضعت لغايات وأهداف وحكم يجب إدراكها وتحقيقها، وبغير ذلك تضيع قيمة الأعمال وتفقد جدواها، قال تعالى "لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم" فلا حاجة لله بصيامنا وجوعنا وعطشنا وصلاتنا وأضحياتنا إن لم تغير إيجابيا في حياتنا وثقافتنا وسلوكنا ومشاعرنا، وقال تعالى "إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر" ومن لم تنهه صلاته عن ذلك فإنها تزيده من الله بعدا.

العبادات والدين مورد في الحياة والتنمية والإصلاح، وإذا لم يجد الناس جميع الناس على مختلف أديانهم في الدين بعامة وفي الإسلام بخاصة مصدرا للسلام والتقدم والنهضة فإن المسلمين وأتباع الأديان يكونون قد فشلوا في التعبير عن دينهم وفهمه وتطبيقه، فكيف يكون جوع وتصحر وتلوث وفقر في مجتمعات يفترض أنها تعتقد أنه إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسيلة فليغرسها إن استطاع فله بذلك أجر؟! كيف يبقى إذن جزء من الأرض ليس مزروعا، وكيف لا يكون في المجتمعات والحياة عطاء وتسامح بلا حدود والناس يفترض أنهم يعتقدون أنه ما من أحد يزرع زرعا فيأكل منه إنسان أو حيوان أو  طير إلا كان له به أجر! وكيف لا يكون تقدم علمي وحرفي ومهني أو كيف يكون تخلف في ذلك والناس يعتقدون أن الله يحب منهم أن يتقنوا عملهم، وأن يتعلموا أبدا، ويطلبوا المزيد من العلم، كأنها عملية دائبة جدلية من العمل والإتقان، والمراجعة والتطوير الأزلي الأبدي، وكيف يكون عنف وجريمة بين أناس يعتقدون أنه "من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا" وكيف يكون التلوث في مجتمعات تعتقد أن النظافة من الإيمان!

وبوضوح وبساطة فإن الدين مرتبط بالتقدم والسلام والعدل، والتدين يقاس بما يحققه في نفوس الناس وفي المجتمعات من إتقان ونماء ورفاه وغذاء وأمن ومأوى وتعليم وتكافل ورعاية ومشاركة وانتماء، ولا قيمة بعد ذلك لمظاهر وشعائر وعادات وطقوس إلا بما تخدم هذه الحكم والغايات والمصالح.

هذه الملايين المقبلة بحماس على شعائر الدين يمكن أن تحقق الكثير لو أن كل واحد قدم شيئا للآخرين في حياتهم واحتياجاتهم، أو غير في نفسه وحياته وسلوكه باتجاه إيجابي.

لماذا كانت العبادات والأعياد ضمن النظام الكوني، وارتبطت بحركة الكون والشمس والقمر والنجوم؟ فالحياة هي أيضا جزء من هذا النظام الكوني، وكانت الشهور والأيام قيل خلق الإنسان، "إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض" والدين والعبادة والشعائر تضبط في مواعيدها وتطبيقها بدقة مع النظام الكوني والحياة نفسها، وكأن التدين يعيد تنظيم إيقاع حياة الإنسان مع الكون، وكأن الإنسان مهدد بالإفلات من الكون أو بالتحول إلى جزء نشاز في الكون، فيصبح مثل كويكب أو شهاب متمرد يحرق نفسه في مجال الكون، ولكنه إن وضع نفسه في المدار الصحيح والملائم فإنه يحميها من الفناء والضياع والتيه!

هذا الكون العملاق بلا حدود يتسع بسرعة الضوء وتتحرك نجومه ومجراته في مدارات محسوبة مجالاتها وسرعاتها، وإذا لم ندر حياتنا بميزان صحيح ومنسجم في التغير والعمل والتعليم والإيقاع فإننا نخرج أنفسنا من الحياة والكون إلى المجهول والشقاء.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق