إبراهيم غرايبة

أورهان باموك

تم نشره في الاثنين 23 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 02:00 صباحاً

كان الروائي التركي أورهان باموك قبل إعلان فوزه بجائزة نوبل للآداب يعتبر الكاتب الأول في تركيا، فقد حققت رواياته أعلى أرقام في المبيعات في تركيا والمعارض العالمية للكتاب، وترجمت إلى عدة لغات من بينها العربية، وقد نال من قبل جوائز مهمة مثل جائزة السلام الألمانية وجائزة الدولة التركية للآداب والفنون.

ولد أورهان باموك في اسطنبول في 7 يونيو(حزيران) عام 1952 في عائلة ميسورة الحال، ومثقفة ثقافة فرنسية، ودرس الهندسة المعمارية والصحافة، وبدأ النشر الأدبي عام 1979، وأصدر منذ ذلك العام عدة روايات. وقد مر باموك بالخطوات والمراحل التي يمر بها المؤلفون في حياتهم الأدبية، فقد ظلت روايته "جودت بك وأولاده" عدة سنوات وهي مخطوطة لأنه لم يجد ناشرا يقبل بنشرها، وقد طبع منها عام 1982 ألف نسخة، ثم أصدر رواية "البيت الهادئ" وبيع منها ثمانية آلاف نسخة، وفي عام 1985 بيع من روايته "القلعة البيضاء" ألف نسخة، ثم صدرت روايته "الكتاب الأسود" وكان الصعود الكبير له مرافقا لصدور رواية "اسمي أحمر" وتجاوزت مبيعات روايته "الحياة الجديدة" المائة ألف نسخة.

ولقيت كتبه اهتماما غربيا وترجمت إلى عدة لغات، بسبب النهضة الإعلامية والثقافية والتحولات الكبرى التي شهدتها تركيا في السنوات الأخيرة، تقول مورين فيلي مترجمة رواية "ثلج" لقد شهدت تركيا تغيرات مذهلة في العقدين الأخيرين، وشهدت أيضا كثيرا من المعاناة والالتباس، وما يكتبه أورهان باموك يعكس الواقع المعيشي والجدل الداخلي الدائر في نفوس الناس، وهو يتمتع بأسلوب أدبي خاص يتحدى المنطق ويتفق مع الروح والنفسية التي يعيشها الأتراك على اختلاف أفكارهم ومواقفهم.

ويقول باموك إن رواية "ثلح" تستوعب التحولات السياسية التي تعيشها تركيا بعد عقدين من الهيمنة الماركسية على الطليعة التركية، وعندما حل الإسلاميون محلهم استعاروا كثيرا من مفردات خطابهم، وجمعت بينهم الروح الوطنية ومناهضة الغرب، وكانت فكرة المدينة المعزولة عن تركيا والتي تزيدها الثلوج عزلة، ويقع فيها انقلاب عسكري تعبيرا عن هذه التحولات والروح الجديدة في تركيا.

تتحدث رواية "اسمي أحمر" عن المواجهة بين الشرق والغرب في ظل الإمبراطورية العثمانية، وأما رواية "الكتاب الاسود" الرواية الأكثر رواجا له في تركيا فيصف فيها رجلا يبحث بلا هوادة عن امرأة طوال أسبوع في اسطنبول المكسوة بالثلج والوحول.

وفي رواية ثلج التي صدرت عام 2002 يطرح قضايا التعصب الديني والصراع بين النظام السياسي ممثلا بالجيش والاستخبارات وبين الجماعات الإسلامية، ويتهم باموك بجرأة الجيش والاستخبارات بافتعال الأحداث المنسوبة إلى الجماعات الإسلامية واختراق هذه الجماعات واستدراجها إلى العنف لتبرير أعمال القمع والاعتقال والتوتر.

عندما أصدرت الحكومة التركية فرماناً يحظر على الفتيات ارتداء الحجاب في المدارس، أشعلت جدلا وانقساما حادا في المجتمع والدولة بل وفي داخل الأسرة الواحدة، فقد كان المجتمع التركي والأسر والأفراد يطور حالة تعايش مع موجة التدين.

وكانت هذه الحالة مصدرا لرواية باموك "ثلج" فانطلق منها جاعلا روايته حول أسرة تتكون من أب يساري سابق، وابنتين إحداهما محجبة، والأخرى تكشف عن شعرها، وكانت زوجة لأحد القادة المحليين في حزب الرفاه، وهي أيضا صديقة وزميلة للشاعر كا الذي عاد إلى اسمبول بعد هجرة دامت اثني عشر عاما، وأوفدته الصحيفة التي يعمل فيها في اسطمبول إلى قارس لمتابعة قصة الفتيات المحجبات اللواتي ينتحرن.

في رواية ثلج ستجد أجمل من السياسة برغم الجدل السياسي الذي أثارته، تلك المشاهد المتشابكة والكثيرة جدا، عن الهوية والأفكار والتاريخ والذكريات والبؤس في مدينة قارس الجبلية الرابضة فوق قمة أناضولية تحت الثلج، والتي تبدو رغم صغرها متاهة عالمية ووطنية معقدة من العوالم والأفكار والأحداث، الطلاب المتشددون والمتطلعون إلى مثاليات أقرب إلى المستحيل، والفقراء، والأكراد المنشقون، وبقايا وشواهد التاريخ الأرمني في المدينة، الكاتدرائية المهجورة، وعيون الليل وزوار الفجر، والبيوت التي تتدفأ بكهرباء لا تطالها عدادات الفواتير، وأجهزة تلفاز مفتوحة طوال اليوم، ولكن بصوت مغلق.

الكتابة هي "عزاء الروح" أو هي الوجود، بالنسبة إلى الكاتب، هذه هي الطريقة التي يُعرّف فيها نفسه باموك في إيجاز شديد، حتى وإن كانت الكتابة نوعاً من التعبير عن الذات والحب.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »وجهان للعملة (إبراهيم غرايبة)

    الاثنين 23 تشرين الأول / أكتوبر 2006.
    شكرا للصديق محمد العمري، ولا شك أن جائزة نوبل تعبر عن موقف سياسي وثقافي غربي وهذا لا ينكره أيضا النوبليون، ولكنها برغم ذلك قدمت الكثير للأدب والسلام العالمي فالغرب ليس شرا محض.
    وقد حصل على جائزة نوبل عدد كبير من المعارضين السياسيين واليساريين، مثل ماركيز، والشاعر الفرنسي سان جون بير (أليكسيس ليجيه)، والذي نال جائزة نوبل عام 1960، وقد نفى نفسه من بلده بعد الحرب العالمية الثانية ليقيم في الولايات المتحدة الأمريكية، والشاعر الشيلي بابلو نيرودا والحائز على جائزة نوبل عام 1971 والذي أعفي من منصبه الدبلوماسي بسبب كتاباته الأدبية الناقدة والمعارضة، والشاعر المكسيكي أوكتافيو باث والحائز على جائزة نوبل عام 1990 والذي عمل سفيرا لبلاده في باريس ونيودلهي، وقد استقال من منصبه احتجاجا على المواجهات الدامية بين القوات الحكومية والمتظاهرين الطلاب، ومهما تكن مواقفهم ورؤاهم السياسية فقد أغنوا الأدب العالمي بأجمل الصور والأفكار التي غيرت حياة البشر، وأسهمت في تشكيلها.
  • »نوبل الاداب فرصة آنية لقراءة ادب الشعوب! (محمد حسن العمري -جدة)

    الاثنين 23 تشرين الأول / أكتوبر 2006.
    تحية للصديق العتيق ابراهيم غرايبة الذي يستهويني في محاولة قراءة التغيرات الثقافية على نحو يبدو تقنيا صرفا ،وليس ذلك المطلوب من كاتب مؤدلج بذكاء..كما فعل في مقال اورهان باموك اذ سطر كلمات بدت للعرض والنقد بعيدا عن هوى جائزة نوبل واستحقاقاتها ،فالكاتب معروف بتركيا للنخبة ليس اكثر في دولة ليس فيها امتدادا ادبيا شعبويا للرواية في ظل تنازع العامة والنخبة منذ قرن مضى بجدلية العلمانية والدين،الذي اراه ان باموك وغيره من اكثر من خمسين حائزا على نوبل في الاداب ليسوا اكثر من نكرات ينشغل الكتاب من الثقافات الاخرى بالبحث عن نتاجهم بعد اعلان الجائزة والكل يبدى تجذر معرفته بهم،فاذا ما استثنينا طاغور وبرناردشو واليوت وسارتر و همنغوي وماركيز جميع الاسماء التي منحت نوبل مرت مرور الكرام الا في بلادها غير مقالات عند الاعلان عنها فرضها الحدث على الكتاب هنا وهناك...ونظل كلنا مدينين لنوبل في كل عام اذ نضطر مرغمين لقراءة بعض اداب الشعوب التي ليس لها نصيب في الطب والفيزياء والكيمياء فتعطى كوتا ضيقة فيما يعرف بالاداب!!!