محمد أبو رمان

تصحيح وجهة التدين

تم نشره في الاثنين 23 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 03:00 صباحاً

ثمة معضلة كبيرة في العالم العربي والإسلامي اليوم تتمثل في بناء المعادلة الصحيحة بين الإنسان ومقتضيات الحياة ومتطلبات الدين. ولعل السؤال الذي يختزل هذه الإشكالية، التي أرهقت المسلمين في عالم اليوم، هو: كيف ندخل إلى العصر بالإسلام؟ أو بصيغة أخرى: ما هي معايير الالتزام الديني التي لا تشكل عائقاً يحول بين المسلم وبين التكيف مع شروط الوقت الذي يعيش فيه؟

ثمة إجابات متعددة على هذا السؤال، من المدارس والتيارات الإسلامية المختلفة، لكن الملاحظ أن موجة التدين و"الصحوة" الحالية، التي تجتاح العالم العربي والإسلامي في أغلبها هي تعبير عن أزمة أكثر من كونها تعبيرا عن وعي متطور نوعي.

الصحوة اليوم تعبير عن الهوية الثقافية للشعوب العربية والمسلمة، بمعنى أن الدين بات يمثل خط دفاع (الأنا) ضد (الآخر) سواء كان ذلك الآخر مستعمراً عسكرياً يأتي من خلال الدبابات والجيوش والقنابل الحارقة، كما هو الحال في العراق وفلسطين اليوم، أم كان الآخر غزوا ثقافيا يأتي من خلال"العولمة" التي تحمل قيماً ومفاهيم تستفز الثقافات "المحلية" لمواجهتها، أم كان الآخر أيديولوجيا سياسية تقوم على استبعاد الدين من المجال السياسي، وربما محاربته في المجال الاجتماعي أيضاً. لكن المشكلة أنّ "المتدينين" يتعاملون مع هذه الهوية وكأنها معطى ناجز كامل، وهي في الحقيقة هوية نازفة تعاني من إشكاليات وأزمات بنيوية. فالتعامل الصحيح مع الهوية، يجب ألا يكون وكأنها دوران حول الذات، فالهوية تتطور مع العصر وتتفاعل مع المتغيرات وتكتسب في كل مرحلة زمنية أو منطقة جغرافية خصائص جديدة مختلفة.

إذا تأملنا أنماط التدين الموجود حالياً في المشهد العربي- الإسلامي العام، مع التحفظ على المسميات، سنجد أنها أنماط ثلاثة أولها "الإسلام الرسمي"، الذي ترعاه الدولة؛ إلاّ أنّ المؤسسة الدينية الرسمية فقدت حيويتها وفعاليتها وتحولت إلى تابع للدولة، وقد طُوقت أعناق قياداتها وموظفيها بسلاسل الرواتب وامتيازات الدولة ومتطلبات السلطة، فأصبحوا عاجزين عن القيام بدور فاعل على صعيد بناء علاقة إيجابية بين الدين والدولة.

وعلى الرغم من دعاوى كثير من الدول العربية بدعم الإسلام المعتدل الوسطي إلاّ أن الواقع يؤكد خلاف ذلك، بل الإسلام الذي يجد قبولا وسندا من هذه الدول والحكومات هو "الإسلام التقليدي"، الذي يؤكد دوماً على طاعة السلطة ومحاربة المعارضة، وفي كثير من الأوقات له موقف سلبي من المدنية والتطور، والعلاقة مع الغرب والاجتهاد والتجديد. فالتيار الإسلامي المعتدل وإن كان يرفض التكفير والعنف والتطرف ويدفع باتجاه التجديد والاجتهاد والإصلاح إلاّ أنه يرفض، في الوقت نفسه، أن يكون مطية للسلطة السياسية وهضم حقوق الشعوب. 

أما النمط الثاني من التدين فهو "الإسلام السياسي"؛ وأكثر الحركات الإسلامية الموجودة في الساحة اليوم تغلب الجانب السياسي على الجانب "التأنيسي"، على حد تعبير المفكر المغربي طه عبدالرحمن، ولا تقدم خطاباً نهضوياً بقدر ما تقدم خطاباً احتجاجياً ذا نزعة شعاراتية، بلا برامج حقيقية فاعلة قادرة على الولوج إلى كنه عملية التنمية الاقتصادية المطلوبة وعلى تصحيح العلاقة بين الإنسان والدين.

ويبدو النمط الثالث، أي "الإسلام الاجتماعي"، أكثر أنماط التدين اليوم تعبيراً عن حالة الأزمة، فإما أن يتخذ طابع الممارسة الشكلية التي تركز على أداء العبادات والالتزام بالعادات والشعائر الدينية دون الوصول إلى كنهها وتحقيق مقاصدها وغاياتها المتمثلة في إصلاح الأخلاق الإنسانية والوصول بها إلى مرحلة اجتماعية متقدمة، وإما أن يتخذ طابع الخرافة والشعوذة (كالسحر والحُجُب وغيرها) أو الإغراق في تفسير عالم الغيب على حساب عالم الشهادة بما يخل تماماً بالوظيفة الاجتماعية والسياسية للإسلام في عالم اليوم، ويدفع بأصحابه نحو السلبية والتواكل والتخاذل عن الدور المطلوب منهم.

بالتأكيد ليست كل صور التدين سلبية، أو تعبيرا عن "الأزمة". فالتدين الحالي له وجوه إيجابية وفاعلة فهو يكفل الحفاظ على هيبة القيم الأخلاقية-الاجتماعية ويمنع التحلل الأخلاقي، كما أنه في صور أخرى رفع للسلاح دفاعا عن العرض والأرض، ومواجهة للطغاة والمستكبرين في الأرض. لكن المشكلة هي في الصيغة العامة للتدين، في أغلب الدول العربية، إذ يميل إلى النزعة الإحيائية- السلفية، بمعناها التقليدي القائم على الطابع المحافظ، ما يجعل منه، في كثير من الأحيان، في حالة من الشك والريبة والقلق من كل أمرٍ "جديد" أو محدث.

ما هو مطلوب اليوم، في ظل الصحوة الدينية العارمة، في مشارق الأرض ومغاربها، هو تصحيح "وجهة التدين" من خلال بناء صيغة جديدة للعلاقة بين المسلمين ودينهم تقوم على مقاصد الإسلام وقيمه وأهدافه العامة في تحقيق الحياة الفضلى للإنسان اليوم والدفع به للخروج من اتون التخلف والضعف والتشرذم، ومن المعروف أن مقاصد الشريعة قد قامت على حفظ الضرورات الخمس: النفس والعقل والنسل والمال والدين، وهي عناوين كبرى يجب البناء عليها في إدراك الناس لسؤال حقوق الإنسان وكرامته وتكريمه على باقي المخلوقات، بل والاحترام بين أفراد المجتمع الواحد، مع تحريم الاقتتال والضرب والاعتداء وانتهاك الحرمات الخاصة والعامة.

كما أن الوجهة الصحيحة للتدين تقوم على إعادة الاعتبار للعقل في تفسير القرآن وفي العلوم الشرعية والفقهية، ومنحه سلطة واسعة وكبيرة في التعامل مع مستجدات الحياة، وتقوم هذه الوجهة، أيضا، على فض الاشتباك بين عالم الشهادة وعالم الغيب بحيث يترك للإيمان أن يحتل قلب الإنسان وعلاقته بالله وعباداته ويطلق العنان للعقل لاكتشاف أسرار الكون والتفكير في تحقيق النفع العام والخاص وفق منطق العدل، وكما قال العلماء قديماً: أينما وجد العدل فثم شرع الله.

الإسلام كان فتحاً للعرب تقدم بهم نحو النصر والوحدة والفتوحات، وكان دوما عامل استنهاض للهمم والعمل والفلاح، أما اليوم فقد تحول التدين، في كثير من الأحيان، إلى نزعة جامدة لا تعبر عن قفزة روحية وفكرية، ومن دون وجود نخبة من المفكرين والمثقفين والعلماء تتولى تصحيح وجهة التدين وإصلاح فهم الناس للإسلام فإن الجناية على الإسلام ومعانيه الكريمة لا تزال واقعة!

m.aburumman@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »أين السبيل ؟! (محمد الشبيري)

    الاثنين 23 تشرين الأول / أكتوبر 2006.
    يبدو التجني واضحاً سيد محمد ، فاذا عذرناك في تقسيم الالتزام بالاسلام الى ثلاثة انواع فلن نعذرك ان تصب جام غضبك عليها كلها وتصفها بالنقصان .
    فلا اسلام السلطة...عجبك ولا الحركات الاسلامية بما تقدمه من فكر مستنير... اراح بالك ولا اسلام المساجد او الاجتماعي ...سلم منك حتى تصفه بازمة اكثر من كونه تمسكاً بالدين.
    تذكرني بكلام هيكل عندما وصف فوز حماس بالازمة كون الشعب وصل الى طريق مسدود ....يا قومنا ما هكذا يُحكم علينا ...عودوا إلى رشدكم..ماذا تريدون منا ان نفعل أندع الاسلام ونذهب الى غيره..اللهمّ اني صائم
    وعيدكم مبارك