أيمن الصفدي

السياسة والطائفية

تم نشره في الأحد 22 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 02:00 صباحاً

الانتماء الطائفي ليس سبب الاقتتال المتنامي بين سنّة العراق وشيعته. هو وقود له وأداة تأطير يتعاظم الانضواء تحت رايتها بسبب الصراعات السياسية. حل هذه الصراعات سيؤدي، حتماً، إلى احتواء الفجوة التي ما انفكت تُذكي العداء بين السنّة والشيعة.

كان متوقعاً أن يعود العراقيون إلى هوياتهم الأضيق، عرقياً ومذهبياً، نتيجة لانهيار الدولة التي كانت مؤسساتها تتعامل مع هواجس الناس وطموحاتهم. الفشل في إعادة البناء على أسس تحاكي مخاوف العراقيين أدى إلى تفاقم حال الانقسام الطائفي الذي بدأ يتجلى، وبشكل خطر، قتلاً على الهوية ورفضاً للآخر.

 لا شك أن موقفاً دينياً موحداً كذلك الذي اتخذه مؤتمر مكة من قبل علماء دين سنّة وشيعة يبعث رسالة إيجابية يحتاجها العراق الآن. لكن هذا الموقف يبقى خطوة أولى محدود أثرها إذا لم يسند بحراك سياسي يحقق الحد الأدنى من الإجماع على المنظومة السياسية التي ستحكم عراق ما بعد ديكتاتورية صدام حسين.

المكون الأول لهذا التحرك يجب أن يعالج الاحتلال الأميركي في العراق ونفوذه في إدارة شؤون البلاد. أميركا فشلت في جلب الأمن والاستقرار والديمقراطية الموعودة إلى العراق. ولا تنفي كل تصريحات جورج بوش ومواقفه هذه الحقيقة.

الولايات المتحدة لا تفهم العراق ولا تعمل لمصلحة شعبه وعجزت عن ملء الفراغ الناجم عن إسقاط صدام ببرنامج سياسي ناجع. تخبطت وتعجرفت واستفردت بالقرار فدفع العراقيون الثمن.

 بات واضحا الآن أن العراقيين وحدهم هم القادرون على وضع معالم خطة للخروج من مستنقع الاقتتال المذهبي الذي يعصف براهن البلد ومستقبله. بيد أن نجاح العراقيين في هذا المسعى الضرورة يتطلب تلبية شروط رئيسة. أول هذه هو اعتراف أميركي بالفشل يترجم تراجعاً لنفوذ واشنطن والاتفاق مع العراقيين على جدول زمني للانسحاب. ولأن أميركا هي التي فتحت الباب أمام التوغل الإيراني في البلد، تقع على واشنطن مسؤولية حماية العراق من تدخلات إيرانية حولته ورقة تفاوضية في يد طهران.

 ولأن استقرار العراق وأمنه ركن أساس في أمن المنطقة واستقرارها، تتحمل الدول العربية مسؤولية الإسهام، بشكل فاعل، في مساعدة العراقيين على صناعة مستقبل أفضل.

قصّر العرب كثيراً بحق العراق. اكتفوا بدور المتفرج عليه وهو يتمزّق. لم يضعوا خطة لمساعدته. وتصرفوا إزاء ما يجري فيه وكأنه حدث بعيد لا يعنيهم ولا يؤثر عليهم. كانت النتيجة أن تصرفت أميركا به كما شاءت، ودخلت إيران في كل تفاصيل شؤونه فصارت مؤثرة، واحيانا، مسيطرة.

 يتحدث كل العراقيين الآن عن الحاجة إلى مصالحة وطنية. ذلك أن العنف الطائفي المتزايد يهدد السُنّة كما الشيعة. الجثث التي ترقد في مشرحة بغداد تشهد على ذلك.

مؤتمر مكة مؤشر على إدراك العراقيين لحجم الخطر الذي يعصف ببلدهم. هذا الإدراك يفتح المجال لحل سياسي نضجت البيئة المولدة له رغم عدم تبلور خطة متكاملة لتحقيقه.

 تلك فرصة يجب أن لا يضيّعها العرب. فقد أضاعوا من الفرص لمساعدة العراق الكثير في الماضي. جريمة أن يضيّعوا هذه الفرصة لحماية العراق من التقهقر بشكل أعمق إلى حرب أهلية ستضرب تداعياتها كل دول المنطقة، التي سيحترق الكثير منها إذا انتشرت الفتنة الطائفية.

التعليق