إبراهيم غرايبة

القيادة في الثقافة العربية

تم نشره في الجمعة 20 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 02:00 صباحاً

يشكل التقدم المهني جزءا من مؤهلات القائد، ولكنه لا يكفي، فالطبيب الناجح ليس بالضرورة مديرا ناجحا، والأستاذ المميز قد يفشل في إدارة كلية أو جامعة أو وزارة، فالقيادة هي فن مستقل يجتمع مع المهنة والعلم والعمل وقد لا يجتمع، وهي في الإدارة القدرة على تشغيل الفريق والمحافظة على قدرته على العمل وتفعيل العلاقات الداخلية له لينجز المهمات المطلوبة منه.

والقيادة في التراث العربي هي أساس الإصلاح والنهضة، وتفسر الفشل والتخلف أيضا، فالمجتمع يتشكل على أساس مجموعة من القيم التي تؤهل الناس جميعهم للمهمات والأدوار في الحياة، ويكون القائد هو الأكثر قدرة على تمثل هذه القيم والمواصفات والتعبير عنها وحمايتها أيضا، ويؤسس كتاب المفكر المغربي العربي محمد عابد الجابري "العقل الأخلاقي العربي" لثقافة قيادية وسلوكية معاصرة لعلها لاتزال غير مدونة.

وتلخص هذه القيم بكلمة واحدة "المروءة"، ووضع ابن عبد ربه بابا في كتابه "العقد الفريد" أسماه "المروءة باب السؤدد"، وقد بدأ هذا المصطلح في التبلور في العصر الأموي الذي تبلورت فيه أيضا القيم العربية للسلوك والأرستقراطية.

كانت الارستقراطية الأموية عربية متعصبة لعروبتها، وقد جعلت من المروءة بوصفها "أخلاق الدنيا" تراثا عربيا خالصا يعبر عن الأخلاق العربية قبل الإسلام وبعده. وفي العصر الحديث عني بها دعاة النهضة باعتبارها من الصفات التي تقتضيها النهضة العربية الحديثة، مثل رفاعة الطهطاوي في كتابه "مناهج الألباب العصرية في مباهج الآداب المصرية" وشيخ الأزهر محمد الخضر حسين الذي كتب نصا بعنوان "المروءة ومظاهرها الصادقة" وأدرج أحمد أمين في كتابه فيض الخاطر مقالة حول المروءة.

ليست المروءة مطلوبة لذاتها في الفكر الأخلاقي العربي بل من أجل المكانة الاجتماعية الرفيعة التي تمنحها، أو بتعبير أدق إن المكانة الاجتماعية المرموقة تفرض أو تدفع إلى سلوكيات المروءة، فهي جماع خصال الأرستقراطية كما عرفها المجتمع العربي.

وفي ثقافتنا الشعبية نصف الرجل الخلوق أو المرأة الخلوقة بالقول "أمير" و"أميرة" فالإمارة وهي في التراث العربي تعني القيادة هي أفضل تعبير عن القيم باعتبارها المكون الأساسي للقيادة، ويسمى آل البيت "الأشراف" وهو وصف مستمد من الصفات وليس من النسب فقط، وتوصف الجواهر الثمينة بالأحجار الكريمة، تعبيرا عن القيمة العالية للكرم الذي هو جوهر الأخلاق.

ومن أطرف ما قرأت للأمير أصفا ووسن أسيراتي وهو من عائلة هيلاسيلاسي إمبراطور إثيوبيا الأسبق في كتابه "آداب اللياقة والسلوك الاجتماعي" أن وصف "ملك الملوك" الذي كان يطلق على هيلاسيلاسي هو تعبير عن التواضع والالتزام الأخلاقي والاعتزاز بالشعب، فهو يعني أن شعبه من الملوك وهو ملكهم، وقال تعالى مذكرا بني إسرائيل بفضله عليهم "وجعلكم ملوكا" ولاتزال العشائر والقرى والتجمعات السكانية في إثيوبيا وأفغانستان وربما في غيرهما من البلدان تسمي المختار أو العمدة "ملك" باللفظ العربي الحرفي، فهذا الوصف في القرآن وفي الثقافة يقصد به القيم والنبل وليس الحكم والزعامة بالتحديد، ولكن لأن القيادة في جوهرها قيمة أخلاقية أو تمثل الأخلاق على أفضل وجه ممكن.

وكان سلطان العلماء العز بن عبد السلام (وهو من بلدة كفر الماء في لواء الكورة) من الذين ميزوا بين التدين والأخلاق ملاحظا قوله تعالى "الذين آمنوا وعملوا الصالحات" الذي تكرر في القرآن كثيرا، فثمة إيمان وعمل صالح مغايرا بذلك ما غفل عنه الفكر العربي والإسلامي.

هل لاتزال هذه القيم تصلح اليوم أساسا لاختيار المسؤولين على اختلاف مواقعهم وأعمالهم وللتنافس على المناصب والمراكز؟ بالطبع فإن الإجابة الحرفية بنعم ستكون غير صحيحة، ولكن المجتمع اليوم بمصالحه وتنظيماته القائمة بحاجة أن يبلور قواعد للثقافة والسلوك تكون أساسا للعمل والقيادة، وإذا كانت هذه القواعد في المجتمعات الزراعية والرعوية قائمة على الشجاعة والكرم فإنهما وغيرهما من القيم ستأخذان أبعادا ومعايير جديدة يجب إدراكها وملاحظتها وتغيراتها وإن بقي جوهرها قائما وموضع حاجة وأهمية.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق