إبراهيم غرايبة

الأكراد في تركيا ونموذج الدولة القومية

تم نشره في الأربعاء 18 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 03:00 صباحاً

إعلان حزب العمل الكردي عن وقف العمليات العسكرية من طرف واحد يؤشر على آفاق جديدة يمكن التوصل إليها في تركيا حول مسألة الأكراد، وإمكانية الوصول إلى حل يرضي الأكراد ولا يخل بالسيادة التركية ووحدة أراضيها.

الأكراد في تركيا اليوم يتجهون إلى النضال السياسي، ويتخلون عن العنف والتمرد، وقد زادت الأهمية السياسية والإعلامية للقضية الكردية في تركيا على نحو يجعلها تتقدم وتضغط على الحكومة التركية أكثر من القتال، واستطاع عبد الله أوجلان الزعيم الكردي المعتقل أن يحرك من سجنه عمليات نضال جديد نحو المطالب الكردية في تركيا، وبدأ يقود من سجنه عمليات نضال وحوار ومفاوضات ومواجهات طويلة ومعقدة يبدو أنها ستفضي إلى مشاركة كردية في العملية السياسية التركية على أساس من الحكم الذاتي والمواطنة الكاملة، وتنهي عمليات الاعتقال والتهميش والاضطهاد التي يتعرض لها الأكراد، وتمكنهم من استخدام لغتهم المحلية في الحياة والمدارس وفي وسائل إعلامهم المحلية.

بالطبع فإن المقاومة بكل أشكالها تسعى إلى تحقيق أهداف سياسية، وعندما أعلن رجب طيب أردوغان رئيس الوزراء التركي في أثناء زيارة قام بها لمدينة ديار بكر، وهي مدينة ذات أكثرية كردية عن ضرورة التوصل إلى حل سياسي يرضي الأكراد في ظل سيادة تركية ومواطنة كاملة لقي تصريحه هذا قبولا كرديا، وفتح المجال للحوار وإنهاء النزاع المسلح على نحو يشبه ما حدث في شمال إيرلندا على سبيل المثال، ولكن يبدو أن الخلاف التقليدي بين الحكومة والجيش في تركيا يؤخر مثل هذا الحل.

ويذكر أوجلان أنه تلقى رسالة من تركيا ويرجح أنها من الجيش وذلك عندما كان مقيما في سورية ولبنان، ويتساءل القادة العسكريون في تركيا: ما هي الفائدة التي سيحصل عليها الأكراد إذا انهارت الجمهورية وانقسمت تركيا؟ ويقول إنه يشارك المسؤولين الأتراك المشاعر والمواقف نفسها، فليس هدف حزب العمال الكردستاني ولا الأكراد هو تقسيم تركيا، ولكنهم يسعون إلى العيش المشترك على أساس عادل، ويقول إن الأكراد والأتراك يحملون ثقافة وتاريخا مشتركا، وقد عملوا معا في العشرينيات لتأسيس الجمهورية التركية الحديثة، وكانت الجمهورية مكسبا مشتركا للأكراد والأتراك معا، ولكن السياسات التركية منذ عام 1925 دفعت الأكراد إلى التهميش وأن يكونوا مواطنين من الدرجة الثانية، مما دفع الأكراد إلى التمرد والذي ووجه بقسوة شديدة.

صحيح أنه كما يعترف أوجلان أن حزب العمال الكردستاني أسس في السبعينيات على أساس مبدأ حق تقرير المصير للشعوب، وأن لكل شعب أن يؤسس دولته، وكان له حضور كبير في فترة الصعود الاشتراكي، ولكن هناك اليوم برأي أوجلان مفاهيم جديدة تصلح أطرا وأسسا لتكوين الدول والديمقراطيات، ويستشهد بكتاب "قليل من الدولة مزيد من المجتمعات" الذي يشير إلى أفكار جديدة تقوم عليها الدول أكثر مصالحة وعدالة للشعوب والمجتمعات، وقد أدى التمسك بالمبادئ القومية إلى مزيد من التطرف والتصعيد الذي يهدد الدول ويذهب بقادتها وأحزابها.

أوجلان يعبر اليوم عن أزمة الدول القومية التي تواجه تحديا تهرب منه بالصراع، فالمشكلة ليست في أوجلان ولكن في الدولة القومية الحديثة التي تصارع لأجل البقاء، فالدول اليوم تتشكل وفق عقد اجتماعي جديد ينظم علاقة الناس بالمكان وبمصالحها ويعيد تنظيم المجتمعات والأفراد وفق هذه القاعدة، أي التشكل وفق الأمكنة والأعمال والمصالح والمهن، وليس القوميات. فالمواطنة هي العقد الأساسي بين الفرد والدولة، وهي العقد المنظم للمجتمعات والتجمعات والمؤسسات، وتفسر التشريعات والأنظمة أيضا.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق