أيمن الصفدي

الانقلاب الأميركي

تم نشره في الأحد 15 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 02:00 صباحاً

يمكن, من مناظير عدة, اعتبار ممارسات الإدارة الأميركية, المستهترة بالقانون الدولي والمنتهكة حقوق الإنسان, انقلاباً على الموروث الحضاري الاميركي الذي جعل من الولايات المتحدة على مدى قرون محجاً لناشدي الحرية وطالبي العدالة.

 ولدت الولايات المتحدة في القرن الثامن عشر من حضن الظلم البريطاني. أراد مؤسسوها لوطنهم الجديد ان يكون أرض الأحرار ووطن الشجعان. ووضعوا, لضمان ذلك , دستوراً قدّس حقوق الناس ووفر لهم أدوات الحماية من تغول السلطة والسلطويين.

تطورت اميركا بعد ذلك دولة تستقطب عشاق الحرية والانجاز وأصحاب الطموحات ممن آمنوا بالحلم الاميركي. تشكل المجتمع الأميركي مجتمعاً تعددياً منفتحاً يمجّد الحرية والعدالة.

 جذّر الشعب الاميركي في وعيه العام منظومة قيمية تحترم حقوق الانسان وتحمي الحرية. وكانت النتيجة أن راكم المجتمع الاميركي بنية تشريعية صارت جزءاً من ثقافة عامة لا تقبل الانتقاص من حق وتحمي إرث الاباء المؤسسين من أي تشويه أو اعتداء.

 تغير الكثير من ذلك. فقد وظّف الرئيس جورج بوش مأساة الحادي عشر من ايلول 2001 رخصة للانقلاب على ما كان ثابتا لا يتبدل في المجتمع الاميركي. اخترقت ادارته حقوق المواطنين الاميركيين وغير الاميركيين في آن.

 استباحت حريات افراد ومؤسسات في اميركا وخارجها. غزت العراق في حرب عارضها العالم. وتقف اليوم متفرجة عليه وهو ينزلق الى حرب اهلية سيعاني الشرق الاوسط كله تبعاتها. أرض الأحرار صارت أرضاً تحكمها مجموعة متطرفة صنفت العالم الى دول خير وشر, واعطت نفسها سلطة خرق القانون الدولي.

باتت اميركا القاضي والجلاد في آن. وما الفضيحة التي اكتشفت أخيرا حول تعذيب المعتقلين في سجن غوانتانامو الا حلقة جديدة في مسلسل التصرفات اللاانسانية واللاأخلاقية واللاقانونية للادارة الاميركية.

غوانتانامو وصمة عار في جبين الديمقراطية الاميركية.

ووجود هذا السجن عار خجل منه حتى توني بلير, الذي كرّس نفسه تابعاً للادارة الاميركية منذ توليه رئاسة الحكومة البريطانية.

 وصلت العدوانية لاميركا أقصى درجاتها في حقبة المحافظين الجدد الذين حولوا البيت الابيض معبداً عقائديا لا رأي آخر فيه ولا مكان لمنطق. استطلاعات الرأي الاميركية اثبتت ان اكثرية شعوب العالم تمقت السياسة الاميركية. لكن ذلك لم يغير شيئا في سياسات ادارة بوش.

 ولعل السبب الرئيس في ذلك هو اطمئنان بوش الى استقرار وضعه الداخلي مع سيطرة الجمهوريين على مؤسسات الحكم الاميركية كافة. ذلك مرشح للتغيير الآن.

 فالانتخابات التكميلية للكونجرس على بعد ايام. وثمة أسباب حصيفة لتوقع خسارة الجمهوريين سيطرتهم على مجلسي الشيوخ والنواب. الشعب الاميركي سيصوت على اداء ادارة بوش حين يختار ممثليه في الكونغرس الشهر المقبل.

 ورغم حملات تشويه الحقائق التي اغرقت ادارة بوش الشارع الاميركي فيها, ثمة ما يبرر الاعتقاد بان الشعب الاميركي بات اكثر ادراكا لكارثية سياسات بوش وانفصامها عن منظومة القيم الاميركية.

 ومتوقع , في ضوء ذلك, ان ينتصر الأميركيون لارثهم الانساني والثقافي حين يدلون بأصواتهم. إذ ذاك , سيفقد المحافظون الجدد احتكارهم قرار السياسة الاميركية, ما سيطلق أملاً بأن تبدأ اميركا حركة تصحيحية تنقّي قوانينها وممارسات حكومتها من تشويهات اعوام حكم بوش العقائدية المتطرفة.

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الرومانسية الخيالية (جمعة)

    الأحد 15 تشرين الأول / أكتوبر 2006.
    "كي الذي جعل من الولايات المتحدة على مدى قرون محجاً لناشدي الحرية وطالبي العدال"

    ولكن الواقع ان امريكا تتصرف حسب ثقافة تمتد لعدة قرون ولا تتعارض كما تقول يا يسدي مع موروثها.

    فمن اليوم الأول قام المهاجرون البيض بقتل وتهجير السكان الأصليين واللذين سموا بالهنود الحمر. ومن ثم العبودية وحروب التوسع ضد المكسيك والحروب التوسعية وللسيطرة على خيرات شعوب امريكا اللاتينية والجنوبية. وكل تلك الحروب لم تكن اقل من حرب امريكا على العراق قذارة. يجب ان نتخلى عن النظرة الرومانسية لأمريكا لأنها مجرد بروباغندا تضلل الناس. امريكا كانت دوما في صراعات دموية غير انسانية وغير اخلاقية ظلم فيها الملايين. واللائحة السوداء طويلة وكلنا يعرفها جيدا.