أيمن الصفدي

المتهم بريء حتى تثبت إدانته

تم نشره في الأربعاء 11 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 03:00 صباحاً

المتهم بريء حتى تثبت إدانته. تلك قاعدة يجب أن تترسخ في الثقافة الجمعية حماية لحقوق الناس ومصالحهم. فالادعاء العام لا يملك صلاحية الإدانة. وكثيرون من المتهمين تبرئهم المحاكم.

تزداد أهمية ترسيخ تلك القاعدة في ثقافة المجتمع مع انتشار وسائل الإعلام التي باتت تنقل الأخبار الى شرائح كبيرة من المجتمع, ومع ارتفاع أعداد حالات التقاضي نتيجة لنمو المجتمع وتنوع علاقاته الاقتصادية وتعقد تفاعلاته المجتمعية.

غياب نمطية التفكير هذه عن ثقافة الناس يلحق ضرراً كبيراً بأبرياء قد يدانون مجتمعياً لحظة توجيه التهم اليهم, خصوصاً في القضايا التي ترتبط بملفات فساد مزعومة. فالمجتمع متعطش لإجراءات ضد الفساد المالي والإداري. وقابلية الناس لتصديق التهم الموجهة لشخصيات عامة عالية جراء انحدار ثقة المواطنين بالمؤسسات العامة وآليات الرقابة التي تتبعها.

ذلك وضع يستدعي أن تتوخى الحكومة والمؤسسات الرسمية الأخرى أقصى درجات الحذر في إعلانها عن قضايا فساد مزعومة أو اعتقال أشخاص بتهم أنى كانت طبيعتها.

والمتابع للخطاب العام الموصف للاعتقالات والاتهامات يجد فيه خللاً جوهرياً ينطوي على إدانة للمتهمين قبل محاكمتهم. وذلك خطأ تقع فيه معظم وسائل الإعلام بشكل مستمر أيضاً.

فالأعراف القانونية والقواعد الإعلامية تنص على عدم جواز إطلاق صفة مجرم أو فاسد أو لص أو غيرها قبل صدور حكم قطعي بالإدانة. فالفساد هو مزعوم حتى تثبته المحكمة. والمعتقل مشتبه به حتى توجه له التهم فيصبح متهماً ويظل كذلك حتى يدان قطعياً من قبل المحكمة فيبيت مجرماً.

لكن تلك أعراف لا تتبع. وهذا إجحاف بحقوق الناس. فلا يجوز أن تصف بيانات الأمن العام أو تقارير الصحافة أو أي جهة أخرى الشخص بالقاتل أو السارق قبل أن تقرر المحكمة ثبوت الجرم المتهم به. ولا يجوز أيضاً أن تعنون الصحافة باكتشاف قضايا فساد قبل صدور الأحكام القطعية التي تثبتها أيضا.

ترتفع صدقية الحكومة بمتابعتها قضايا الفساد المزعومة. ولا شك أن الحكومة الحالية سجلت نقاطاً عديدة على سابقاتها بترجمة إعلاناتها محاربة الفساد المزعوم فعلاً. لكن صدقية الدولة ومصالح المواطن تفرض أن تبذل الحكومة جهداً كبيراً لتوعية الناس بالفرق بين الاتهام والإدانة. وهذا جهد يجب أن تشارك فيه جميع شرائح المجتمع حتى تترسخ عند الناس ثقافة عامة تحول دون الإدانة المجتمعية لمتهمين في قضايا قد تثبت المحاكم بطلانها.

وثمة دور كبير لوسائل الإعلام في نشر هذه الثقافة من خلال التزامها القواعد المهنية التي تحدد المصطلحات الواجب استعمالها في القضايا القانونية. وهذا دور يجب أن تقوم به وسائل الإعلام ليس فقط مشاركة منها في توعية المجتمع, بل انسجام مع أخلاق المهنة وحماية لنفسها من مساءلة قانونية ضد ممارسات تشكل قدحاً وذماً للأشخاص والهيئات واغتيالاً للشخصية.

التعليق