إبراهيم غرايبة

مجلات أردنية باللغة الإنجليزية

تم نشره في الأربعاء 11 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 03:00 صباحاً

ترى في المكتبات التجارية بضع عشر مجلة أردنية (وربما أكثر) تصدر باللغة الانجليزية، ولا تجد باللغة العربية سوى بضع مجلات معظمها تصدرها جهات رسمية، حتى المجلات العربية التي تعلم أو تسمع عن صدورها فإنها غالبا لا توزع في المكتبات لأن عملية التوزيع ربما تزيد الخسارة.

المجلات الإنجليزية ذات طابع محلي أو عربي في موضوعاتها، وتشير أسماء الكتاب والمحررين إلى أنهم أردنيون، وهي موجهة كما يبدو في اختيار الموضوعات وطريقة التناول للأردنيين والعرب وليس للأجانب، ويؤكد صاحب المكتبة أن الذين يشترونها أردنيون وليسوا أجانب، وهي مجلات معدة بورق صقيل وملون، وتستقطب قدرا كبيرا من الإعلانات.

الإعلانات في هذه المجلات أيضا تستهدف المواطنين والعرب وليس الأجانب، والمعلنون فيها جميعها هم نفسهم تقريبا، وكأنها مجلة واحدة، وفي الوقت نفسه فإن المجلات العربية لا تكاد تحظى بإعلان تجاري واحد، مما يؤكد أنها تواجه خسارة محتمة، ولذلك فإنها تلجأ إلى تخفيض النسخ المطبوعة لأن زيادة التوزيع إذا تمت فسوف تزيد الخسارة.

لماذا تنجح مجلة في الأردن إذا كانت باللغة الإنجليزية وتفشل إن كانت باللغة العربية؟ لماذا يتحمس المعلن لمجلة باللغة الإنجليزية ويعرض عن مجلة عربية، وهو يعلم أن سلعه وخدماته ومنتجاته موجهة إلى جميع أو معظم المواطنين وليس لتلك المجموعة التي تفضل أو تصر على القراءة بالإنجليزية؟ ولماذا يفضل مواطنون قراءة موضوعات وقضايا محلية أو عامة باللغة الإنجليزية برغم أن الكتاب أردنيون؟

ماذا تعني للقارئ (والمعلن أيضا) مقابلة مع مدير أو فنان أردني أو عربي عندما تكون منشورة باللغة الإنجليزية في وسط يقرأ العربية أولا، ويفهمها أكثر، وهذه حقيقة تنطبق على الأكثرية العظمى إن لم يكن جميع الأذكياء والمحظوظين الذين يتكلمون الإنجليزية في الأردن، ولكنها لغة ثانية بالنسبة لهم، ومازالوا عاجزين عن استيعابها ثقافيا، ويقتصر استخدامهم لها على المحادثة والإدارة وفي نطاق ضحل وفقير، ولا يدركون العجز والفجوة الكبيرة بين القدرة على الحديث اليومي والعادي وبين الرؤية الأكثر عمقا والتعبير الذي يتواصل مع موارد العمل من الخيال والثراء الفكري والعملي، وهم على الأغلب لا يتجاوز اطلاعهم باللغة الإنجليزية الدراسة أو التدريب أو المخرجات الإعلامية والتي يستطيع الملم بالإنجليزية الإحاطة بها، وتكون المحصلة زيادة في السطحية والتبسيط في العرض والتحليل والتفكير، وفجوة هائلة بين الكلمات وبين الأشياء والأفكار!

هذه إطلالة سريعة على محتويات وإعلانات المجلات الأردنية باللغة الإنجليزية، وأرجو أن يفيدني القارئ الكريم بأهمية أن تكون باللغة الإنجليزية ويسعف دهشتي عن سر نجاحها تسويقيا، مقابلة مع فنان أردني والمحاور كاتبة أردنية أيضا، فنجان شاي (هكذا كتبت بالحروف الإنجليزية) عن نماذج فنية موسيقية وغنائية لبنانية لم يسمع بها من قبل، وهذه الترجمة الحرفية للعنوان المثبت في فهرس المجلة، الحياة بعد الحرب في لبنان، الأردنيون يتحدون للتضامن مع لبنان وفلسطين للمساعدة وكسر الصمت، الشاطئ في لبنان حيث تندمج الاحتياجات بالثقافة، مرة أخرى أؤكد أنها مجلة أردنية وليست لبنانية، وإعلاناتها جميعها عن مجوهرات وألبسة وساعات وعطور في أم أذينة والصويفية، بالإضافة إلى الملكية الأردنية وموبايلات وسيارات وصحيفة أردنية، هل تحتاج صحيفة اردنية للإعلان عن نفسها في مجلة باللغة الإنجليزية؟

وهناك إعلان لسوبرماركت في عمان باللغة العربية، وهنا نقطة جديرة بالتوقف كثيرا، فالمعلن الذي يعرف للأسف الشديد احتياجات الناس أكثر من التنموي (والتنموي تعنى هنا كل العاملين في المجال الحكومي والعام غير التجاري بما في ذلك الدعوي والسياسي) يدرك بحاسته أن توصيل الفكرة وبناء القناعة والثقة يحتاج إلى لغة تساعد على ذلك. فاللغة أعمق بكثير وبكثير مرة أخرى من القاموس.

مجلة أخرى متخصصة بالأعمال (بالمفهوم التجاري) تنشر عن سيدات الأعمال وانهيار برج بوابة الأردن والأخبار السياسية والاقتصادية، وتعلن لوزارة العمل والملكية وشركات تأمين وعقارات واتصالات، وتبدو موضوعاتها حيوية وملفتة، ولكن يبقى السؤال ما معنى أن تكون باللغة الإنجليزية؟

ومجلات أخرى مهتمة بـ"نمط الحياة" الذي يعني فقط الفن والزي بالمفهوم الفانتازي (مع أن الحياة الأفضل هي محور وغايات الدول والمؤسسات والتشريعات والدين أيضا)، وتتجاور فيها إعلانات رمضان مع تسويق الملابس بصور بالغة الجرأة وإعلانات الخطوط الملكية والمراكز التجارية والمنتجات إياها في المجلات الأخرى، وإعلان لمستشفى خاص باللغة العربية وموضوعات دينية.

ومجلات متخصصة بالحياة العائلية والزواج، والواقع أنها تقدم موضوعات ومعالجات مهمة ومفيدة، ومجلات يبدو أنها اختارت عمان مقرا لها لتمرير صور لا يسمح في دبي بإجازتها ولكنها تجاز في العبور من الخارج.

ليس هدف المقالة هو التقييم الموضوعي وتحليل محتوى هذه المجلات والحكم عليها إلا بمقدار محاولة الإجابة على السؤال لماذا كانت هذه المجلات باللغة الإنجليزية وليست بالعربية؟ وكيف نجحت تسويقيا؟ ولماذا تفشل المجلات العربية المفترض أن جمهورها يشمل جمهور المجلات الإنجليزية بالإضافة إلى جميع المواطنين والعرب والمقيمين؟

سأغامر بالقول إن الخواء والخواء فقط هو سر هذا النجاح والذي تنجح به أيضا أفكار ودعوات وبرامج وشركات واستثمارات. الخواء! مورد عظيم يفطن له المسوقون وبعض الدعاة والسياسيين ويتفوق على النفط والمهن والأعمال والثقافة والأفكار والمصالح الحقيقية وقضايا المياه والبيئة والعمل والضرائب والعدالة والحريات والديمقراطية، وكأني بالناشرين (الذين أحسدهم) تبرق عيونهم شماتة ويقولون تلك الكلمة التي لن يجيزها رئيس التحرير.

ibrahim@gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »السلام عليكمــــــ (رانيه)

    الأربعاء 5 كانون الأول / ديسمبر 2012.
    انا بدي تغطوني اعلانات تجارية بالالغة الانجليزية ...؟ ممكن جزاكم الله خير وعفا عنكم ؟؟
  • »خواء منمق (عين على بلد)

    الاثنين 16 تشرين الأول / أكتوبر 2006.
    هذه الظاهرة مردها للدور الاعلامي لمجموعة من ابناء الأثرياء، من مدعي التقدم الحضاري، الذين تأثروا بالحضارة الغربية، بعدما عاشوا سنوات في الغرب، وعادوا لبلادنا يحلمون بخلق مجتمع علماني، بدين بالحرية الشخصية والتجارة الحرة، وينسال تدريجياً من أسباب التخلف المتمثلة، برأيهم، بالدين والانتماء القومي أو الوطني .
    وهناك ايضاً مسبب مصلحي في بقاء هذه المجلات واستمرارها، حيث أن هناك زواج مصلحة بين ناشري المجلات وأصحاب وكالات الاعلان، ان لم يكونوا هم نفسهم على الطرفين، وهم يسعون لخلق بدائل اعلانية، غير الاعلام التقليدي المتمثل بالصحافة اليومية والاسبوعية، لتحول اليها جزء من ميزانيات الاعلان الضخمة لزبائنهامن شركات الاتصالات والبنوك مثلاً، وهذه المجلات علاوة على تمثيلها لثقافة المتفرنجين من الشباب الثري،فهي مصدر ربحية لهم، حيث تعطي خصومات وعمولات ضخمة للوكالات تفوق بكثير ما تقدمه لها الصحف، وذلك للتغطية على فشلها التوزيعي، فانتشار هذه المجلات ضعيف، نظراً للغتها ومحتواها، وتوزع معظم نسخها مجانا.
    ليس هناك مجلات عربية جيدة، ممكن، ولكن الأدق القول بعدم وجود رغبة لدى المعنيين في وجودها.
  • »بالفعل .. ظاهرة حبلى بالتساؤلات المريرة (سامح المحاريق)

    الأربعاء 11 تشرين الأول / أكتوبر 2006.
    يوجد في جميع دول العالم تقريبامجلات وجرائد بلغات مختلفة وفي الدول العربية تأتي الانجليزية في الطليعة وتتبعها أيضا الفرنسية، ولكن ليس بالكثافة في الحالة الأردنية التي ما زالت تركز كما ذكر أستاذ ابراهيم على الموضوع المحلي والمتلقي المحلي، ثم أن الأردن ليست دبي بمعنى أنه لا يتواجد ذلك العدد من الأجانب الذي يسمح بتكوين طبقة مستهلكة حقيقية للصحافة الانجليزية اللغة، بما يفسر التهافت الإعلاني على صفحاتها، وعموما فتلك المجلات لا تقدم ذلك النوع الراقي من الصحافة كالذي تقدمه مثيلاتها في الخليج أو مصر، فلماذا كل هذا الضجيج الذي تحظى به هذه المجلات، هل وصلت مسألة الاستعراض إلى تلك الحالة المفجعة من الانقياد اللافت لمظاهره علما بأن اللغة المستخدمة في تلك المجلات تختلف تماما عن نظيراتها في المجلات الأجنبية الصادرة في بلدانها لو افترضنا حسن النية في المستهلك ورغبته في اتقان تلك اللغة ..
  • »انت السبب (علي)

    الأربعاء 11 تشرين الأول / أكتوبر 2006.
    "سأغامر بالقول إن الخواء والخواء فقط هو سر هذا النجاح "

    اولا, انا احد قراء المجلات الأردنية الأنجليزية. واهانتك مرفوضة. واقول عيب تهاجم اية شريحة من المجتمع الأردني لأنك تختلف مع خياراتها في نوع المجلات اللتي تقراها. عيب.

    اما تفسير ظاهرة الإقبال على المجلات الإنجليزية فسببها سقف الحريات الأعلى وجراءة الصحفيين واسلوبهم المعاصر في طرح الأمور. المجلات العربية مازالت ضحية انعدام الموضوعية, والكلام المنمق, واسلوب الشتائم مثل اسلوب حضرتك, واعتمادها على شخصية الكاتب. بينما المجلات الإنجليزية الأردنية لايوجد لها شخصيات مرموقة . وهي اقل تملقا للنظام ولا نسمع عبارات النفاق ولا تشوبها الأجندات المكشوفة واللتي يعتقد الكاتب انه اذكى من القراء ويستطيع اخفاءها. لم تتطور المجلة العربية منذ وقت طويل الا القليل.

    وبعيدا عن الصحافة هنالك العديد من الكتاب العرب اللذين تواصلوا مع هذا الجيل مثل ابراهيم نصرالله, حنا مينا, ...وغيرهم. المشكلة ليس في المستهلك. المشكلة في المنتج. المستهلك محايد ويقبل الشيئ الجيد. ولن يقبل احد بشيئ قديم ونمطي . فرجاء كف عن الشتائم وانظر في المرآة كي تعرف السبب.