إبراهيم غرايبة

الدين والسياسة في الغرب

تم نشره في الثلاثاء 10 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 03:00 صباحاً

يتزايد تأثير الدين في السياسة الغربية على نحو لا يقل عنه في الشرق، وتتلاشى معه الصورة التقليدية التي سادت عن الغرب من أنه علماني يفصل بين الدين والسياسة والحياة، ولا يتوقف المشهد عند صعود التدين والتعصب الديني وصعود العنصرية والكراهية المستندة إلى الدين، بل يتجاوز ذلك أيضا إلى التأثير في السياسة والانتخابات والسياسات العامة.

لقد تشكلت الدول الأوروبية الحديثة بعد سلسلة من التفاعلات والصراعات والنهضة العلمية والفنية، واتجهت الدول والسياسات بمحصلتها وتداعياتها وجهة علمانية تفصل بين الدين والسياسة لحماية الديمقراطية كما في الثورة الإنجليزية عام 1679، وفي فرنسا لحماية الجمهورية(1789) أو لحماية الحرية الدينية كما في الولايات المتحدة الأميركية (1776).

لكن الكنيسة موجودة على نحو أكثر تعقيدا وشمولا مما سبق، فالإنسان كائن ديني، وربما يكون الإنسان الغربي المسيحي أكثر ارتباطا بالدين والمؤسسة الدينية من المسلم، فالصلاة والموت والاعتراف والزواج مرتبطة أساسا بالمؤسسة الدينية بلا فكاك منها، بخلاف الإسلام الذي يتيح للناس والأفراد ممارسة العبادة والطقوس والمراسم والحياة بلا حاجة لرجل دين أو مؤسسة دينية وإن كان وجودها ضرورة تنظيمية وإدارية وليس دينية كما في المسيحية.

ويبدو التاريخ الأوروبي سلسلة من الحروب والصراعات والفوضى الناجمة عن الحروب والخلافات الدينية، عندما انشقت الكنيسة بين الكاثوليك والأرثوذكس، ثم بين الكاثوليك والبروتستانت، بالإضافة إلى الصراعات والتضحيات التي ارتبطت بسعي الإنسان الدائب للحرية والتقدم والفردانية، وبقدر ما كانت التجربة قاسية ومليئة بالنماذج الموحشة والمظلمة فقد كانت أيضا مفعمة بالتقدم الإنساني، فالحريات والعلوم والحضارة القائمة اليوم هي من محصلات ونتائج هذا الكفاح والجدل مع الدين والكنيسة ودورهما وموقعهما في الحياة والسياسة.

ولم تؤد موجة العلمانية وفصل الدين عن الحياة والسياسة التي اجتاحت أوروبا في القرن التاسع عشر أو قبل ذلك بقليل إلى تغييب الكنيسة كما كان يبدو للوهلة الأولى في منتصف القرن العشرين حتى إن مجلة عريقة ومهمة (نيوزويك) وضعت على غلافها سؤالا مثيرا استفزازيا "هل حقا مات الله؟" فقد ظهرت الكنيسة بسرعة وبوضوح محركا للحركات السياسية في الحكم والمعارضة والإصلاح في بولندا ودول الاتحاد السوفيتي وفي أميركا اللاتينية وفي الولايات المتحدة أيضا، وكان البابا السابق يوحنا بولس الثاني رمزا للحملة المناهضة للشيوعية في بلده بولندا ودول أوروبا الشرقية بعامة، ويشكل اليوم الحزب الديمقراطي المسيحي القوة السياسية الأولى في ألمانيا، وكان كذلك لفترات طويلة في تاريخ ألمانيا الحديث، وفي البلقان كانت الكنيسة الكاثوليكية الصربية تقود الصراع والمجتمعات في الحرب الأهلية التي دارت بعد وفاة الرئيس اليوغسلافي السابق تيتو.

وفي جزيرة تيمور التي استقلت مؤخرا عن إندونيسيا وكانت قبل ضمها لإندونيسيا مستعمرة برتغالية لمئات السنين، واعتنق في أثناء ذلك أغلبية سكانها المسيحية يتسلم رجال الدين مهمات سياسية وقيادية، حتى إنه يبدو أن الكنيسة هي الحزب السياسي الحاكم والأكثر أهمية وفاعلية، أو هي المرجعية العليا التي تتنافس الأحزاب السياسية على كسب تأييدها وثقتها، فلم تكن المسيحية الكاثوليكية في تيمور دينا فقط، ولكنها محرك الصراع التيموري الإندونيسي، وكان الفاتيكان على الدوام رافضا للحكم الإندونيسي للجزيرة ويدعم استقلالها مخالفا العالم الغربي الذي ظل صامتا إزاء هذا الوضع أكثر من ربع قرن.

وفي الولايات المتحدة ركزت الحملة الانتخابية للجمهوريين بشكل واضح على الدين، كما عبر الجمهوريون بصراحة عن معتقداتهم الدينية طارحين بذلك الديانة موضوعا في الحملة الانتخابية الرئاسية رغم أنهم يجازفون بذلك بفقدان تعاطف بعض الناخبين.

وكان مجيء يوحنا بولس الثاني على رأس الفاتيكان عام 1980 تحولا كبيرا في سياسة الكنيسة وبرامجها وتوسعة مشاركتها السياسية والاجتماعية، وشملت جولاته البابوية الطويلة أكثر من 120 بلداً، وفي عام 2000 زار عددا من الدول العربية للاحتفال بالألفية الثانية وليقتفي خطى القديس بولس في فلسطين ومصر والأردن.

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »الدين والحياة (أحمد الحصني)

    الثلاثاء 10 تشرين الأول / أكتوبر 2006.
    دعاوى العلمانية الغربية هي غطاء غير حقيقي للواقع الذي تشكله المعتقدات الدينية وبعضها بالغة البدائية والتعصب وهو ما يلاحظ دائما في السياسة الغربية والاتجاهات الجماهيرية الغوغائية الحاقدة على العرب والمسلمين فقط لأنهم مسلمون