إبراهيم غرايبة

التلفزيون الإنترنتي

تم نشره في الجمعة 6 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 03:00 صباحاً

هل ستكون الإنترنت هي الشبكة التلفزيونية الأكثر شيوعا وتأثيرا في المستقبل القريب؟ بدأت المؤسسات التلفزيونية والسينمائية تنتج نسخا رقمية من أعمالها أو تبث رقميا بمعنى إعداد الأعمال التلفزيونية وتهيئتها لتكون صالحة للبث والاستعادة في أجهزة الكمبيوتر وعبر شبكة الإنترنت، وفي هذه الحالة سيكون بمقدور متصفحي الإنترنت متابعة المحطات التلفزيونية وحضور ومتابعة الأفلام السينمائية من خلال الشبكة، وهو نظام ذو مزايا فنية واجتماعية تغير كثيرا من طبيعة ومستقبل البث والعمل التلفزيوني والسينمائي.

فالبرامج التلفزيونية على شبكة الانترنت يمكن تخزينها واسترجاعها في أي وقت ولا يحتاج المستهلك لمتابعتها وفق برامج البث التلفزيوني التقليدية في الأوقات التي تحددها محطات التلفزيون، وهو أمر سيغير كثيرا من عادات مشاهدة التلفزيون وبرامجه، وستختفي على سبيل المثال فلسفة الأوقات المثالية والمفضلة للبرامج والأعمال التلفزيونية، وكذلك المتابعة الجماعية للعائلات والأصدقاء، والمزايا الإعلانية لأوقات معينة، وبالطبع فإن ذلك لن يحدث فجأة أو بين عشية وضحاها، ولكنه تحول تدريجي سيجعل مع الزمن معظم إن لم تكن جميع سياسات وتقاليد العمل والمتابعة المتعلقة بالتلفزيون موضعا للمراجعة الإستراتيجية.

  

سيكون بإمكان متصفحي الإنترنت تنزيل المسلسلات والأعمال التلفزيونية على أجهزة الكمبيوتر كما يجري الآن تنزيل النصوص والموسيقى، وسيغير ذلك بالطبع من طبيعة تسويق وإنتاج الاعمال التلفزيونية تماما كما تغيرت أدوات وإنتاج الصحف والكتب والأعمال الموسيقية لتتكيف مع الآفاق الممكنة والتحديات التي أتاحتها الإنترنت.

كانت المشكلة حتى وقت قريب فنية بسبب البطء في الشبكة والحجم التخزيني الهائل للصور عند تنزيلها على الكمبيوترات، ولكن البرامج الجديدة التي تجاوزت مشكلتي السعة والسرعة ستجعل معالجة الصور الثابتة والمتحركة مثل النصوص يمكن مشاهدتها بسرعة وسهولة.

وسيبدأ إنتاج وظهور أعمال تلفزيونية معدة خصيصا للإنترنت مثل الأعمال الإعلامية النصية المعدة للإنترنت كالمدونات ومواقع الإنترنت والخدمات التي لا يحصل عليها المستهلكون إلا من الإنترنت، وهنا ستنشأ أسواق وساحات تلفزيونية جديدة خارج إطار محطات التلفزة كما نشأت ساحات المواقع الإنترنتية كالدردشة والمراسلات والمدونات بعيدا عن الصحف والمجلات، وستكون على الأغلب أعمالا تلفزيونية قريبة أو مستمدة من الواقع والحياة اليومية، وتبتعد عن النجوم والمشاهير، وتنشئ جمهورها الخاص بها والمختلف عن جمهور المحطات التلفزيونية التقليدية، وسيمكن التطور الفني والتقني المستخدم العادي من إنتاج وبث برامج تلفزيونية بلا إمكانيات معقدة، وسيتحول العمل التلفزيوني إلى عمل فردي وشخصي وليس مؤسسيا بالضرورة، أي أن إعداد برنامج تلفزيوني أو فيلم سينمائي سيكون مثل كتابة مقالة أو تقرير صحافي.

وستظهر مزايا التفاعل والانتقاء المتاحة في الإنترنت على البرامج التلفزيونية الإنترنتية أي أنها ستكون تفاعلية تتشارك في إعدادها وإدارتها المحطة مع الجمهور وستتيح الاختيار والتعدد في الانتقاء والمتابعة بل وربما سيكون البرنامج الواحد يعدل ويطور حسب رغبة وتفاعل المستهلك أي أنه سيكون متعددا على نحو لانهائي في الصيغ والشكل والمسارات والنهايات.

وبالطبع فإن تحولات كبرى قد جرت اليوم على برامج الإذاعة والتلفزيون لاستيعاب هذه الاتجاهات، فقد بدأت البرامج تميل للمشاركة الواسعة والعامة وليس النخبوية وإلى الواقع "تلفزيونات الواقع" وإلى زيادة دور الجمهور في اختيار الموضوعات وإدارة البرامج والمشاركة والتعليق والحوار والجدل، ولكنها تحولات ستكون على الأكثر أقل فاعلية في إيقاعها وطبيعتها مع سرعة التحولات التي ستتيحها الإنترنت.

وسنجد أن صناعة التلفزيون ستكون مختلفة تماما عن كل ما ألفنا فنيا وبرامجيا وإداريا، وهي تحولات ستغير بالطبع من طريقة إدارة المحطات الإذاعية والتلفزيونية والخبرات اللازمة لتسيير العمل، فسوف تنتهي تلك الهالة الكبرى المحاطة بالأسرار والدهشة والتعقيد والتكاليف الباهظة والخبرات الفنية المتعددة والطبيعة النخبوية والنجومية للعاملين في هذا المجال لتتحول إلى ما يشبه النشر والصحافة، والشيوع والانتشار لتكون وسيلة تعبير ممكنة ومتاحة لجميع الناس.

وتعمل اليوم شركات التصنيع والبرمجة الحاسوبية لتجعل من الكمبيوتر والتلفزيون جهازا واحدا (وستدمج أيضا مجموعة كبيرة من الأجهزة والخدمات في جهاز واحد، لتشمل أيضا الهاتف والاتصالات والإذاعة، والخدمات المتخصصة مثل الأسهم والطيران والفنادق، وتسديد الضرائب والفواتير، والتعاملات النقدية والبنكية، وخدمات التوصيل والبيع والشراء والتسوق عبر الشبكة) ولتكون أيضا قادرة على العمل سلكيا ولاسلكيا وبطاقة قليلة وبإمكانية الشحن، وسيكون مفهوم التلفزيون بالنسبة للجيل القادم مختلفا عما نفهمه نحن وربما يختفي المفهوم كله ويصبح شيئا من الماضي. 

ibrahim.gharaibeh@alghad.jo

التعليق