منار الرشواني

أولويات رايس

تم نشره في الأربعاء 4 تشرين الأول / أكتوبر 2006. 03:00 صباحاً
أخطأت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس اذ جعلت الملف النووي الإيراني العنوان الرئيس لزيارتها الحالية الى المنطقة. فلا إنكار للخطر الذي ستمثله إيران على الشرق الأوسط إن طورت سلاحا نوويا سيساعدها على مد نفوذها السياسي في عالم العرب. لكن الخطر الأكبر الذي تحتاج المنطقة إزالته هو استمرار الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية وما ينتج عنه من قمع وقهر وظلم. تلتقي الولايات المتحدة مع دول الاعتدال العربية في الاقتناع باستحالة استمرار الوضع الراهن بما يحمل من تشوهات تهدد أمن المنطقة. لكن هذا الالتقاء في التشخيص لم يترجم على ما يبدو إجماعا على الأولويات. فلم تنفك الاردن ومصر والسعودية تحاجج واشنطن بضرورة الالتفات للقضية الفلسطينية مدخلا ومتطلبا أساسا لمعالجة جميع نقاط التوتر في المنطقة. وبذلت هذه الدول, وخصوصا منذ شنت إسرائيل حربها على لبنان تموز(يوليو) الماضي, جهودا مكثفة لإقناع واشنطن بأن الشرق الأوسط سيتفجر صراعات وتطرفاً وإرهابا اذا لم يحرز تقدم باتجاه حل القضية الفلسطينية. غير ان أميركا, على عادتها, تصر على فرض أولوياتها ولا تعير مواقف أصدقائها في المنطقة ما تستحق من اهتمام. بالمقابل, تعتاش دول التأزيم الشرق الأوسطية على استمرار حال الإحباط العربية وتوظيف معاناة الناس المشروعة في سعيها فرض أجنداتها الإقليمية. دول التأزيم تقول للعرب أنظروا كيف تستباح حقوقكم ويقتل أبناؤكم من دون أي حراك دولي لإنصافكم. أما دول الاعتدال فقد وجدت نفسها غير قادرة على اكتساب الصدقية لمشروعها نتيجة فشل وسائلها في إحراز أي تقدم في معالجة أي من الملفات الإقليمية, بدءا بالمشكلة الأساس وهي القضية الفلسطينية. الصورة الآن قاتمة. اعتدال عاجز في مواجهة شعاراتية تتغذى من إحباط الناس. ليس غريبا, والحال كهذه, أن قوى الاعتدال في العالم العربي تتقهقر أمام امتداد الفكر المتطرف المقتنع بعبثية الطروحات المعتدلة مخرجا من راهن مقيت. كان الأحرى بواشنطن أن تلتفت بجد وفاعلية الى تقويم قوى الاعتدال لراهن المنطقة والمآلات التي ستنتهي اليها إن استمر العجز في علاج جوهر الصراع. لكنها لم تفعل. ورغم التصريحات الإيجابية لرايس حول ضرورة قيام دولة فلسطينية الى جانب إسرائيل, فإن العرب لم يكونوا ينتظرون من واشنطن تأكيدات لمقولات أعلنتها سابقا ولم تفعل شيئا لتنفيذها. كان المطلوب من رايس أن تأتي الى المنطقة, التي ما لبثت خرجت من حرب أشعلت مشاعر كل أهلها, وفي جعبتها مبادرة فاعلة تطلق حراكاً ملموسا على طريق إيجاد حل عادل للصراع مع إسرائيل. لم تفعل رايس ذلك. وستغادر المنطقة, على ما يبدو, من دون أن تطلق أي جهد جديد لإحياء عملية السلام. وستكون المحصلة الوحيدة لزيارة وزيرة الخارجية الأميركية إضعافاً أكثر لقوى الاعتدال التي ستواجه أسئلة مشروعة, (وتوظيفا لها غير مشروع) عما أنجزته سياساتها لتحرير المنطقة وأهلها من ظلم الاحتلال الإسرائيلي. لن تجد هذه القوى الكثير لتقوله في تبرير استمرار العجز عن إطلاق مبادرة جديدة لإنهاء معاناة الشعب الفلسطيني. أما قوى التأزيم, فستجد في زيارة رايس مدا لا ينضب من الأسباب لترويج رفضويتها, لتوظف بذلك غضبا مشروعا في فرض أجندة لن تجلب الا المزيد من اليأس والقهر وعدم الاستقرار للشرق الأوسط.
التعليق